aa00072

آن الأوان 1 _
لوحة تشكيلية للمجتمع
لا يمكن للإنسان أن يعيش بمفرده، فبحكم الطبيعة هو عبارة عن عقدة تربط مجموعة عقد في مختلف الاتجاهات تشكل شبكة تسمى المجتمع، وبالتالى أي خلل في العقدة أو إحدى العقد يترتب عنه تفكك الشبكة؛ الفرد، الأسرة، العائلة، المحيط (الجيران، الأصدقاء، الزملاء بشكل خاص ثم المواطنين بشكل عام).
بعلاقة جدلية هناك ترابط بين الفرد والمواطنين، هذه العلاقة التي تشكل الخيوط الرابطة لعقد الشبكة المجتمعية تتجلى في الأخلاق، المعاملات، القيم، الحريات الفردية والجماعية و....
مدى صلابة هذه الخيوط هي من تحدد قوة ترابط العقد فيما بينها وبالتالي متانة الشبكة =(المجتمع) التي تتجلى في التعليم، الصحة، العمل، الوعي، الالتزام، حس المسؤولية و...
الأكيد أن هذه الشبكة في آخر المطاف لها شكل معين محدد بإطار أو حاشية بمثابة صمام الأمان = (الوطن) .
هذا الوطن هو قوي بصلابة الخيوط الأساسية في ترابط العقد فيما بينها. هذه اللوحة التشكيلية للمجتمع هي من تحدد قوة وعظمة ورقي وتقدم البلد = (رفاهية المجتمع)
أو العكس.
_ آن الأوان 2 _

التربية

متانة الشبكة وقوتها كما سبق ذكره لا مكان فيها للسلبية (الانتهازية، الوصولية، الاتكالية، الاستهلاك، الجهل ... ) هذه السلوكات لا تشخص إلا الغير منتج والغير فعال، بل تنتج طفيليات تنخر العقد وتضعف الشبكة = (الوطن) مما يؤدي إلى صراع داخلي بين الصالح والطالح، وبالتالي استنزاف الوقت والجهد والإمكانيات والفرص... لبناء الأمة.
هذه السلبية هي في الأساس نتاج للتربية الغير صحيحة التي يتلقاها الفرد من البيت و المدرسة والمحيط والمؤمنة (بالأنا)؛ فتضخم هذا الإحساس يستبيح كل الطرق والوسائل التي تضرب عن وعي أو اللاوعي القيم النبيلة : (الكفاءة، الإيمان بالاختلاف، الحس بالمسؤولية، تقدير المواهب، تكافؤ الفرص، بل في بعض الأحيان حتى الوطنية... ) المهم أنا ومن بعدي الطوفان دون إدراك أنه جزء من الكل (عقدة في الشبكة المجتمعية) يعني في حقيقة الأمر هو إنسان جاهل، معيق ومدمر لهذه الشبكة وبالتالي مدمر لوطن يجتمع فيه إخوة بمختلف نوعهم، معتقداتهم، مواقعهم ، مسؤولياتهم...؛ النتيجة إحباط آمال أمة.

قال الشاعر أحمد شوقي :
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت= فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا .

والأخلاق ترتكز على مجموعة من القيم النبيلة : الإيمان بالاختلاف، حرية الفرد والجماعة، الحس بالمسؤولية، الاحترام، الوعي، الحس التشاركي، التكافل، التسامح، التعايش، التقدير، الاعتراف...
فالأخلاق إذن هي وسيلة لشد أيادي العقد وتظافر الجهود من أجل خلق اتحاد هادف وواع وبناء مستقبل زاهر للجميع كل مسؤول من موقعه.
_ آن الأوان 3 _

المسؤولية

المسؤولية لا تعني الكراسي ولا التشريف بل هي تكليف : تدبير، تخطيط، توجيه، إرشاد....وحل للمشاكل وليس خلق للفتن.
والأهم هو أن كل فرد مسؤول عن نفسه، بيته، محيطه.... ووطنه. مما يعني أن كل عقدة تمثل فردا صغيرا أو كبيرا داخل الشبكة المجتمعية؛ وقد صدق الرسول الكريم (ص) عند قوله (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) وهو حديث يحدد المعنى الأخلاقي للمسؤولية بمعنى حب مهمة المقام الذي يستوجب على كل فرد تحمل المسؤولية فيه أينما وجد. فحب واحترام وتقدير الآخر كلها مقومات أساسية للمعاملات الإنسانية الصحيحة التي تكمل وتمتن روابط عقد الشبكة المجتمعية التي يستحيل خرقها وتدميرها.
فالوعي بالمسؤولية يمكن بشكل سلس قيام الفرد بالواجب كجزء من الشبكة ( الأسرة والعائلة ) وككل (المحيط والمجتمع) أي إدراك الحقوق الخاصة والعامة، فمعرفة الفرد = العقدة لما له وما عليه تحدد بطريقة جدلية ديلكتيكية علاقة عقد الخط العمودي بعقد الخط الأفقي (القاعدة والقمة) وتمكن من التعايش في فضاء يسوده التناغم والتكامل لتحقيق الهدف المنشود : شبكة مجتمعية قوية تستوعب مفهوم دينامية الجماعة مبنية على أرضية صلبة لديها لبنات لبناء وطن راقي.

قال الشاعر المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم.
_آن الأوان 4 _

التطوع

عرف المغاربة بعملية استفردوا بها بين الأمم تسمى التويزة وهي عملية اتفاق جماعي على التعاون والتكافل للقيام بأشغالهم الكبرى محددة بالزمان والمكان على سبيل المثال ( الحرث، الحصاد، الدرس، جني المحصول....)
اتفاق الغرض منه ربح الوقت والجهد وترشيد وتوفير النفقات، مبني على روح تطوعية في عمل جماعي تشاركي، تتساوى فيه الحظوظ في العمل، مدركين أنهم عقد= أفراد تترابط فيما بينها لتنمية محيطهم والرفع من مستوى عيش أسرهم وتوطيد العلاقات الإنسانية فيما بينهم، عملية لا تكلفهم سوى (عشاء كسكس) عند صاحب الدور، وهكذا دواليك طيلة السنة ليحتفلوا في شهر غشت بتنظيم مواسم قبلية تتوج باجتماع للتخطيط لبرنامج السنة الموالية، والتويزة هي عمل تطوعي في قمة العقلانية.
والتطوع قيمة نبيلة تظهر التضحية في أسمى معانيها وتجلياتها، لا مكان فيها للتزايد ولا للرياء ولا المن؛ بل هو مبادرة لشحذ الهمم للقيام بعمل مجتمعي صالح، تضامني، تكافلي... والمشاركة جنبا إلى جنب بين جميع العقد= الأفراد في عمل جاد وهادف لا مجال فيه للاتكال أو المحسوبية أو الانتهازية... بل - للاقتباس فقط- وكما جاء في القرآن الكريم "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" صدق الله العظيم.
فبعث روح العمل التطوعي الصادق سلوك لا مناص منه لتحقيق المنفعة العامة وتوطيد الإحساس في كل مجال من المجالات بقيمة العمل الجماعي المنجز (داخل الشبكة االمجتمعية) على أنه شأن ذاتي (العقدة =الفرد) يجب الاهتمام به ورعايته والحفاظ عليه وصقله كلبنة من لبنات الوطن الراقي.

قال الشاعر طرفة بن العبد:

إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني
عنيت فلم أكسل ولم أتبلد.

1000 حرف متبقي