جريدة الحوار بريس

       الحوار بريس جريدة مستقلة شاملة تصدر عن مؤسسة الأكاديمية الدولية للإعلام والخدمات   
                  لكم خبر أو تعليق تودون نشره الاتصال ب الرقم التالي: 0668445732                 
       أو عبر البريد الالكتروني :elhiwarpress@gmail.com
أو hassan.elhatimy@gmail.com   

 

المقالات

سؤال الأصالة والمعاصرة:

كثيرا ما تطرح اشكالية الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، على أنها مشكل الاختيار بين النموذج الغربي في السياسة والاقتصاد والثقافة...إلخ، وبين التراث بوصفه يتقدم، أو بإمكانه أن يقدم نموذجا بديلا وأصيلا يغطي جميع ميادين الحياة المعاصرة.
 ومن هنا تصنف المواقف إزاء هذا الإختيار إلى ثلاثة  أصناف رئيسية:
 مواقف عصرانية، تدعوا  إلى تبني النموذج المعاصر بوصفه نموذجا للعصر كله، أي النموذج الذي يفرض نفسه تاريخيا كصيغة حضارية للحاضر والمستقبل، ومواقف سلفية تدعوا إلى استعادة النموذج العربي الاسلامي كما كان قبل "الانحراف" أو "الانحطاط"، أو على الأقل الارتكاز عليه لتشييد نموذج عربي إسلامي أصيل يحاكي النموذج القديم في الوقت ذاته الذي يقدم فيه حلوله الخاصة لمستجدات العصر، ومواقف انتقائية تدعوا إلى الأخذ بأحسن ما في النموذجين معا والتوفيق بينهما في صيغة واحدة تتوافر بها الأصالة والمعاصرة معا.
ومن أجل تجنب الانزلاق في مثل هذه الطروحات المغربية، ومن أجل تحليل أعمق لمضمون وأبعاد الاشكالية التي نحن بصددها، نقترح الانطلاق من وضع الطرح السائد موضع السؤال فنقول: "هل يتعلق الأمر بمسألة اختيار؟ هل مازلنا نحن العرب في وضعية تسمح لنا بالاختيار بين ما نسميه النموذج الغربي وما نحلم به من نموذج أصيل نستعيده في تراثنا الفكري الحضاري؟
أعتقد أننا لم نكن نملك من اصطدامنا بالنموذج الحضاري الغربي المعاصر، حرية الاختيار بين أن نأخذ به وبين أن نتركه، لقد فرض هذا النموذج نفسه علينا منذ بداية التوسع الاستعماري الأوروبي، وبكيفية خاصة وحاسمة منذ القرن الماضي، فرض نفسه علينا كنموذج عالمي وكنموذج حضاري جديد للعالم كله، يقوم على جملة من المقومات لم تكن موجودة في النماذج الحضارية السابقة له، مثل التنظيم العقلاني لشؤون الاقتصاد وأجهزة الدولة، واعتماد العلم والصناعة، والتبشير بقيم جديدة تماما، قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية...إلخ.
لقد فرض هذا النموذج الحضاري الجديد نفسه علينا بوسائله هو، فمن التبادل التجاري غير المتكافئ إلى التدخل في الشؤون المحلية بذريعة الدفاع عن حقوق أقلية من الأقليات أو حماية مصالح معينة، إلى الحكم المباشر، إلى الهيمنة الاقتصادية والسيطرة الثقافية والإيديولوجية والنتيجة من كل ذلك:
غرس بنى النموذج الغربي في بلداننا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإذا كنا لم نختر النموذج الغربي بمحض إرادتنا فنحن بالأحرى لم نختر ما تبقى لدينا وفينا من النموذج التراثي، أعني الموروث من ماضينا، لأنه إرث والإنسان لا يختار إرثه كما لا يختار ماضيه وإنما يجره معه جرا، وأكثر من ذلك يتمسك به ويحتمي داخله عندما يجد نفسه معرضا لأي تهديد خارجي، وهل هناك من تهديد خارجي أكثر استفزازا للذات وأكثر خطورة على الهوية والأصالة والخصوصية من زحف نموذج حضاري على نموذج حضاري آخر؟
 وإذن فإلى جانب البنى الحديثة المنقولة إلينا من الغرب، والمغروسة غرسا في قطاعات معينة من حياتنا، بقيت هناك بنى قديمة موروثة من ماضينا تحتفظ بوجودها وأحيانا بكامل قوتها وصلابتها في قطاعات أخرى أو داخل القطاع الواحد مما أصبح يطلق عليه في بعض البلدان العربية على الأقل اسم "القطاع التقليدي"، والنتيجة أن أصبحت مجتمعاتنا ولربما كل أقطار العالم الثالث، تعاني ازدواجية صميمة على مختلف المستويات، الاقتصادية والاجتماعية...إلخ، ازدواجية تتمثل في وجود قطاعين أو نمطين من الحياة الفكرية، أحدهما عصري مستنسخ من النموذج الغربي ومرتبط به ارتباط تبعية وثانيهما تقليدي أصلي أو أصيل ولا مشاحة في الأسماء، فالمسمى واحد، هو استمرار النموذج التراثي في صورته المتأخرة المتحجرة المتقوقعة، نجد القطاعين معا، منفصلين ويصادمان في حياتنا اليومية، على صعيد واقعنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي كما على صعيد وعيينا ونمط تفكيرنا.
وإذن فالمشكل الذي يواجهنا ليس مشكل أن نختار بين أحد نموذجين ولا مشكل أن نوفق بينهما، بل إن المشكل الذي نعانيه هو مشكل الازدواجية التي تطبع كل مرافق حياتنا اليومية المادية والفكرية، لا بل المشكلة في الحقيقة هي ازدواجية موقفنا من هذه الازدواجية، نحن نقبل هذه الازدواجية على صعيد واقعنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتعليمي...إلخ، فنبني مخططاتنا التنموية على أساس تنمية هذا الواقع المزدوج، حيث نصرف على القطاعات العصرية من أجل تدعيمها وتوسيعها باسم التحديث، كما نصرف على القطاعات التقليدية من أجل الإبقاء عليها وإحياء المندثر منها، باسم الأصالة والحفاظ على التقاليد، ولكننا وفي الوقت ذاته نرفض هذه الازدواجية على صعيد آخر، صعيد الحياة الروحية والفكرية، لذلك نجد، فريق يدعو إلى تبني القيم الفكرية العصرية التي تشكل جزءا لا يتجزأ من النموذج الحضاري الغربي، وفريق آخر يدعو إلى التمسك بقيمنا التراثية وحدها، وفريق ثالث يلتمس وجها للتوفيق، الأمر الذي يعني محاولة التخفيف من وقع هذه الازدواجية على الوعي، ليس إلا.
وحينما طرحنا هذه المسألة التي نحن بصددها على أنها مشكل ازدواجية مفروضة علينا بسبب تدخل عامل خارجي وليست مسألة اختيار حر، فإنني لا أرمي من وراء ذلك فقط تقديمها على أنها قضاء وقدر لا مناص من الرضوخ له، بل إننا نريد من هذا الطرح الواقعي التاريخي للظاهرة موضوع نقاشنا تلمس الطريق نحو معالجة موضوعية والوصول بالتالي إلى نتائج إيجابية.    
ذ: نجيب جيهان
e-max.it: your social media marketing partner

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

كود امني
تحديث