مجتمع

انغماس الأطفال في تفاهة الوسائط… من المسؤول عن سواد المستقبل؟

بقلم: عبد الحكيم البقريني
في زمن أصبحت فيه الشاشات رفيقا دائما للصغار قبل الكبار، لم يعد انغماس الأطفال في تفاهة الوسائط مجرّد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى أزمة تربوية وثقافية تهدد بنية المجتمع ومستقبله. فبين مقاطع سطحية، ومحتويات تروّج للفراغ القيمي، وتحديات عابثة تُقاس بعدد الإعجابات لا بعمق الفكرة، ينشأ جيل يتشكّل وعيه على إيقاع السرعة لا على رصانة الفهم.
المشكلة لا تكمن في الوسائط ذاتها؛ فهي أدوات يمكن أن تكون منابر للعلم والإبداع كما يمكن أن تكون مستنقعات للسطحية. غير أن الخلل يظهر حين تتراجع المؤسسات التي يُفترض أن تضبط البوصلة. فلا الأسرة قامت بدورها التربوي الكامل، ولا المدارس غرست حبّ المعرفة كما ينبغي، ولا المساجد رفعت منسوب الإيمان والوعي الأخلاقي، ولا الشارع بات يشعّ بقيم القدوة والاحترام. وبين هذا التراجع المتزامن، يجد الطفل نفسه وحيدا أمام خوارزميات لا تعرف الرحمة، توجه اهتمامه حيث الربح والمشاهدة، لا حيث النفع والتزكية.
لقد تغيّرت أنماط التنشئة. ففي كثير من البيوت، حلّ الهاتف محلّ الحوار، وأصبحت الشاشة جليسة الطفل ومربيته الصامتة. تُشغله، تُلهيه، وتغرس فيه رسائل غير مرئية حول النجاح السريع، والمظاهر الخادعة، والاستهلاك المفرط. ومع غياب الرقابة الواعية والتوجيه الرشيد، تتحول المتابعة إلى إدمان، ويغدو التافه قدوة، والسطحي نجما، والمحتوى العابر معيارا للتميز.
أما المدرسة، التي كانت يوما مصنع العقول ومصهر القيم، فقد انشغلت في أحيان كثيرة بالتحصيل الشكلي والامتحانات، وغفلت عن بناء الشخصية النقدية القادرة على التمييز بين الغثّ والسمين. فالتعليم لم يعد مجرد تلقين معلومات، بل أصبح في عصر الانفجار الرقمي مسؤولية مزدوجة: تعليم المعرفة، وتعليم مهارات الفرز والتحليل والمساءلة.
وفي جانب آخر، تراجع تأثير الخطاب الديني والتربوي القائم على الحكمة والقدوة الحسنة، ففقد بعض الشباب صلتهم بالمعنى العميق للحياة. الإيمان ليس شعائر فحسب، بل منظومة قيم تحصّن الفرد أمام الانجراف، وتمنحه معيارا داخليا يقيه الذوبان في التفاهة.
والشارع بدوره لم يعد مدرسة مفتوحة للأخلاق كما كان يُؤمَل؛ إذ اختلطت فيه الرسائل، وغابت النماذج الملهمة، فصار المشهد العام يعكس تناقضا بين ما يُقال وما يُمارَس.
أمام هذا الواقع المركّب، يضيع الشباب في فراغ المعنى، ويبدو المستقبل في أعينهم معتما. غير أن تحميل المسؤولية لطرف واحد تبسيط مخلّ. إننا أمام أزمة منظومة، تتطلب استعادة التكامل بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية. فالحل لا يكون بمنع الوسائط، بل بإعادة توجيهها، ولا بإدانة الجيل، بل باحتوائه وإشراكه في صناعة البديل.
إن إنقاذ المستقبل يبدأ من وعي الحاضر: من بيت يستعيد دفء الحوار، ومدرسةٍ تعلّم التفكير قبل الحفظ، ومنبر يقدّم القدوة قبل الموعظة، وإعلام يوازن بين الجذب والمسؤولية. عندها فقط يمكن أن يتحول السواد المتوقع إلى أفق مضيء، ويصبح الجيل الجديد صانعًا للمستقبل لا ضحية له.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى