رياضة

هذا هو المغرب …حين يكتب شبّانه صفحة جديدة للعالم !

في ليلة من ليالي المجد التي لا تنسى، رفع أشبال المغرب لأقل من عشرين سنة كأس العالم لكرة القدم، بعد ملحمة كروية بديعة خاضوها أمام الأرجنتين، ليعلنوا من فوق منصة التاريخ أن الراية المغربية لا ترفع صدفة ، بل ترفع بالعزيمة، وبالعمل، وبإيمان لا يلين.

المنتخب المغربي بطلا لكاس العالم للشباب
لم يكن هذا التتويج مجرد انتصار رياضي على المستطيل الأخضر، بل هو انتصار لوطن اختار أن يسير بثقة في طريق الإصلاح والبناء. فمنذ أن جعلت الرؤية الملكية السامية من الرياضة قاطرة للتنمية، ومن الشباب نواة للمستقبل، والمغرب يخط بمداد الحكمة مسارا جديدا عنوانه: الإنسان أولا.
وكما بهرت قطر العالم بتنظيمها الباهر لكأس العالم، يبهر المغرب اليوم العالم برصيده البشري، بعقليته الجديدة، وبطموحه الهادئ الذي لا يصرخ، بل ينجز. إن هذه البطولة ليست غاية في ذاتها، بل هي تجسيد لفلسفة وطنية مؤمنة بأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار في التاريخ.
غير أن الفرح – مهما سمت درجته – لا يعفينا من النقد والمساءلة. فالمغرب الذي أنجب أبطالا على العشب الأخضر، يستحق أن ينتصر أيضا في ميادين التعليم والصحة والعدل. وما تزال بين ثنايا البلاد جراح قديمة من فساد إداري ومالي، وسوء تدبير أنهك الطاقات وأخر الإصلاح.
إنّ نهب المال العام ليس مجرد جريمة مالية، بل هو خيانة لأحلام الفقراء، واغتيال لمستقبل أطفال ما زالوا يحملون دفاترهم المهترئة إلى مدارس بلا سقف ولا دفء ولا طريق .
الملك – بحكمته المعهودة – رسم خريطة طريق واضحة لمغرب جديد، لكن بعض الأيادي العابثة تحاول رسم خطوط موازية للانحراف والتلاعب، تارة باسم السياسة، وتارة باسم المصالح العليا واجتناب الفتنة ! لذلك، فإن التتويج الحقيقي لا يكون في ملعب دولي فحسب، بل في الملعب الوطني حيث تسجل الأهداف ضد الفقر، والجهل، والفساد.


ومع كل نغمة نشيد وطني صدحت بها حناجر الشبان، يتردد في قلب كل مغربي صادق سؤال كبير: متى نرى الانتصار ذاته في مستشفياتنا ومدارسنا ومحاكمنا؟ متى نرفع الكأس الحقيقية، كأس الكرامة والعدل والشفافية؟
إن الشبان الذين رفعوا الكأس في تلك الليلة الأرجنتينية المارادونية هم أبناء الوطن الذي ينتظر إصلاحا صادقا، وعدلا نزيها، وحياة تليق بعرقهم ودموع أمهاتهم.
ومن هنا، فإن معركة الوعي لا تقل قداسة عن معركة الميدان، ومعركة الإصلاح لا تقل بطولة عن معركة التتويج.
المغرب، إذ ينتشي بهذا المجد الكروي، يؤكد مرة أخرى أنه بلد لا يشيخ، وأن التاريخ ما زال يكتب بمداد مغربي أصيل. وكما قادت قطر نهضة عربية فخرية في التنظيم والرؤية، يمضي المغرب بخطى واثقة نحو تنظيم كأس العالم للكبار، محمولا على ثقة شعب لا يمل الإصرار، وملكية ترى في الشباب مستقبل الوطن لا زينته.
فلتكن هذه الكأس جرسَد يقظة بقدر ما هي نشيد فرح، ولتكن تذكيرا بأن المجد لا يبنى بالهتاف فقط، بل بالعمل والنزاهة والعدل.
فكما سطرنا في الميدان نصرا، فلنسطر في المجتمع نهضة.
وآنذاك فقط، تكتمل اللوحة الجميلة ويحق لنا أن نقول للعالم: هذا هو المغرب… بلد يصنع تاريخه بأبنائه ولا يتركه يحصي نسخه التي تمر من أمامه فيطويها النسيان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى