منوعات

أيتها المنفوخة !! يا بنت المنفوخة !! كيف تديرين العالم بالهواء؟

بقلم حسن برني زعيم

أيتها المنفوخة، من نفخك؟ مَن كوّرك؟ ومن صاغ حجمك ولونك؟ ومن رفع قيمتك السوقية حتى صرت تقاسين بحجم حضورك في نشرات الأخبار لا بمدى نفعك للناس؟ وكيف مسحت من الذاكرة أسماء من صنعوا الوعي الإنساني من أمثال أديسون وأفلاطون وشكسبير وامرئ القيس وابن خلدون، ورسخت بدلهم أسماء لاعبي العشب والمضمار، فصار بيليه ومارادونا وشوماخر أيقونات الكوكب، بينما حيلت العقول المؤسسة إلى الهامش؟ ألم تضعفي الدماغ في الرؤوس وأنت تنعشين العشب في الملاعب؟ ألم يتحول معيار المجد من بناء الفكرة إلى تسجيل الهدف، ومن إنتاج المعنى إلى صناعة الفرجة، ومن تأسيس الحضارة إلى إحراز الكأس؟

ومع ذلك، فنحن لا نخاصم الرياضة في ذاتها، ولا نعاديها بوصفها فنا إنسانيا راقيا وهواية نبيلة وأذواقا تحترم ومنافسات شريفة نؤمن بها ونشجعها ونطرب لها، فاللعب جزء من روح الإنسان، والفرح حاجة إنسانية أصيلة، لكن الكارثة تبدأ حين تقدم المدرجات على المدارس، واللاعب على المعلم، والكأس على الدواء، وتؤجل الحرية إلى ما بعد المباراة، وتؤخر الديمقراطية إلى نهاية الشوط الإضافي أو ضربات الترجيح أو المصارعة بعد النتيجة المغشوشة أوعطب في” الفار” و نعاني حينما يطلب من الجائع أن يهتف، ومن المريض أن يحتفل، ومن العاطل أن يلوح بالعلم. إن الرياضة لا تصبح خطرا إلا حين تستعمل بديلا عن الخبز، ومساحيق تجميل لوجه الخراب، وأداة تخدير جماعي تؤجل الأسئلة الكبرى باسم النشوة المؤقتة والدقيقة الأخيرة من الزمن بدل الضائع…!!!
لقد حققت بعض الأمم فعلا شروطها الأساسية من غذاء وسكن وتعليم وصحة وحرية وديمقراطية قبل أن تنخرط في عالم النفخ والفرجة، فصارت الرياضة عندها امتدادا للرفاه لا تعويضا عن الكرامة، وزينة للحياة لا ستارا على خرابها، ومع ذلك فهذه الدول المتقدمة نفسها لم تسلم من غواية النفخ، إذ تحتاج بدورها إلى جرعات منفوخة لتسويق سياساتها عبر العالم، وتصدير أوهامها إلى الشعوب المتخلفة، وإبقائها منشغلة بالمباريات الكبرى عن مآسيها الصغيرة، لتظل على هامش التاريخ، تابعة مجرورة جرا إلى ما لا تدريه.
أنتِ كنت في الأصل مجرد لعبة موسمية تنفخ للزينة، ثم تحولتِ فجأة إلى منطق حكم شامل وإلى فلسفة كونية لإدارة العالم، حيث لم تعد كثير من السياسات تدار بالبرامج النافعة بل بالمخططات النافخة، ولا الاقتصاد – اليوم – يبنى بالإنتاج الذي ييسر حياة الناس بالعدل بل بالتضخيم والبهرجة التي تنحرف معها العقول فتسحق الطبقات الفقيرة، ولم تعد المجتمعات تقاس بكرامة الإنسان بل بارتفاع الشعارات والصور والأرقام، وفي هذا العالم المنفوخ تتضخم الخطابات كلما تقلصت الحقائق، ويكبر الضجيج كلما صغر الأمل، وتتسع الشاشات كلما ضاقت بنا الحياة.
العالم اليوم لا يعيش أزماته بل ينفخها ويزينها ويعرضها ثم يبيعها في أسواق السياسة والإعلام، فتجد أوطانا مثقلة بالحروب والدمار والمجاعة والأوبئة تشارك في المنافسات الدولية المنفوخة كما لو أن شيئا لم يحدث، وترفع أعلامها الواهمة في الملاعب بينما مدنها مهدمة، وتغني للنصر فيما أطفالها يبحثون عن الحليب والدواء والماء، وقد صار ممكنا أن تنهار دولة في الواقع وتفوز في الصورة، وأن يخسر شعب حياته اليومية لكنه يربح حضوره في العرض المسرحي الكبير الذي اسمه العالم.
وفي هذا الاقتصاد المنفوخ تجف البنوك بالمليارات وتتكدس الثروات في الأعلى بينما تتحول حياة الإنسان في الأسفل إلى عملية تقسيط طويلة؛ تقسيط للأحلام وتقسيط للغذاء وتقسيط للعلاج وحتى الكرامة أضحت مؤجلة إلى إشعار غير معلوم، تنتفخ الأسعار بلا سبب مفهوم وتنكمش الأجور بلا تفسير مقنع ويطلب من المواطن أن يثق في أرقام لا يراها وأن يصفق لإنجازات لا يلمسها وأن يصبر على حاضر لا يشبه المستقبل الذي وعد به.
أما السياسة فقد صارت مسابقة في النفخ البلاغي، يتنافس فيها الزعماء على من يملك خطابا أطول من الأزمة ووعدا أضخم من القدرة وصورة أكبر من الحقيقة، تعالج الحروب بالكلمات والمجاعات بالتصريحات والكوارث بالمؤتمرات، ويطلب من الشعوب أن تؤمن بأن كثرة الكلام ستنتج خبزا وأن ارتفاع الصوت سيصنع السلام وأن تضخم الشعارات سيعالج الخراب.
والإعلام الذي كان يفترض أن يكون مرآة العالم صار “ماكينة” نفخ عملاقة تلمع السطح وتضخم التفاهة وتحول المأساة إلى عرض والمعاناة إلى خبر عابر والإنسان إلى رقم في شريط عاجل، فصار المفكر الباحث ضيفا موسميا والصحافي مذيع بيانات والمحلل مدربا للبالونات السياسية والجمهور يتعلم كيف يصفق للهواء لأنه لا يملك شيئا آخر يصفق له.
وفي هذا العالم المنفوخ تتحرك الطائرات في السماء وتخترق اليخوت البحار وترفع الرايات في الاحتفالات بينما ملايين البشر يتحركون على الأرض بحثا عن مأوى وغذاء ودواء وأمان، عالم يجيد تنظيم المهرجانات ويفشل في تنظيم الحياة، يتقن بروتوكول القمم ويعجز عن حماية الأطفال، يعرف كيف ينفخ صورته ولا يعرف كيف يضمد جراحه.
لكن التاريخ مهما طال صبره لا يعترف بالهواء ولا يحترم النفخ ولا يوقع على الأوهام، وسيأتي ذلك اليوم البسيط الحاسم، يوم تفقد كل كرات العالم هواءها، فتتلاشى كل هذه الأحجام المصطنعة، ونكتشف أن كثيرا مما أرهقنا كان مجرد جلد منفوخ، وأن العالم الذي ظنناه عملاقا كان يعيش على الفراغ، وأن الإنسان وحده هو الحقيقة التي ما كان للنافخين أن يتركوه خارج هذا العرض الكبير.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى