كأس أمم إفريقيا بالمغرب 2025: حين تحاكم الجغرافيا ويدان التاريخ ويطلب من الضيافة أن تعتذر.

بقلم حسن برني زعيم
منذ أن أُعلن عن احتضان المغرب لكأس أمم إفريقيا 2025، انطلقت صافرات إنذار غريبة، لا من الملاعب، بل من الحناجر. حناجر لا تؤمن بالكرة إلا إذا كانت مشحونة بالمؤامرة، ولا تعترف بالتنظيم إلا إذا انتهى بالفوضى. فجأة صار المطلوب من المغرب أن يبرر موقعه الجغرافي، ويعتذر عن تاريخه، ويشرح نواياه الحسنة وكأنها تهمة لا كرم فيها ولا حسن نية.
الجغرافيا… ذنب لم يختره المغرب.
المغرب يوجد حيث يوجد. لم يطلب أن يكون في شمال إفريقيا، ولا أن يطل على المتوسط والأطلسي، ولا أن يكون بوابة بين إفريقيا وأوروبا. الخريطة لم تستشره ، ولم تفتح استفتاء أمميا حول موقع الرباط أو الدار البيضاء أو طنجة أو الكويرة ومع ذلك، يلام المغرب لأنه قريب لمن يريده قريبا، ولأنه بعيد لمن يحلم ببعده ، ولأنه ليس جزيرة معزولة بعيدة عن الحسابات وتعيش على صفائح متنقلة تغازل الشمس والقمر والنجوم كما تشاء..!!!
والأغرب أن هذا الموقع نفسه، الذي كان لعقود عيبا في نظر بعض الناقمين على تاريخهم، صار اليوم تهمة جاهزة: قريب من أوروبا إذن فهو مشبوه، منفتح على إفريقيا إذن هو متآمر، حاضر في كل الاتجاهات إذن لا بد أن وراءه نية مبيتة.
تاريخ المغرب لم يكتب بالحبر السري:
تاريخ المغرب لم ينجز في غرف مظلمة، ولم يستنسخ من كتب الآخرين. هو تاريخ وقع ثم كتب، ولم يكتب ثم فرض إملاؤه. تاريخ تشكل بالصراع والبناء والنضال والتراكم، لا بالقص واللصق ولا بالذاكرة المستعارة.
وفي قارة ما زال بعض أبنائها يتجادلون حول من كتب تاريخهم ومن محاه، يصبح امتلاك تاريخ متصل ومعلن جريمة فكرية، وينظر إلى الذاكرة المستقرة باعتبارها نوعا من الاستفزاز غير المبرر.
جوار مفروض لا مُختار:
المغرب لم يختر جيرانه كما لا يختار الإنسان عائلته عند الولادة. الجوار صاغته الجغرافيا، وعقدته يد الاستعمار، وزادت في تشويهه حسابات الحرب الباردة. ومع ذلك، يطلب من المغرب أن يكون صبورا إلى ما لا نهاية، وأن يتحمل الاستفزاز باسم حسن الجوار، وأن يبتسم وهو يستهدف.
وحين يختل هذا الجوار، لا يسأل عن الأسباب العميقة، بل يطلب من المغرب دائما أن يكون الطرف العاقل ولو استفز عمدا.
نظام دولي مختل… وشظاياه تصل إلى الملاعب:
في عالم مشحون بالحروب والاصطفافات والابتزاز الإعلامي، من السذاجة الاعتقاد أن كرة القدم تعيش في قاعة مغطاة أخلاقية. التوتر السياسي، الصراع الإقليمي، والإعلام الموجه، كلها تتسلل إلى المدرجات وغرف الملابس.
والمغرب، بحكم موقعه وخياراته، ليس محصنا من شظايا هذا النظام الدولي المختل، بل يجد نفسه أحيانا ساحة إسقاط رمزي لصراعات لا علاقة لها بالكرة ولا باللعب النظيف.
الانفتاح… اختيار بثمن:
اختار المغرب الانفتاح على إفريقيا والعالم، لا بالخطابات ولا بالبيانات، بل بالاستثمار والبنيات التحتية والتعاون جنوب جنوب، وباحتضان المهاجرين من دول إفريقيا هذا الاختضان جعل أوروبا في مأمن من أفواج الهجرة غير الشرعية ،وهذا الانفتاح له ثمن لا يدفع بالعملة فقط، بل بالصبر وباستيعاب القلاقل و سوء الفهم بمناسبة التظاهرات أو بدونها..
فالمنفتح دائما متهم، والمغلق دائما في مأمن. ومن يفتح أبوابه يساء فهمه، بينما من يغلقها يبرر له ذلك باسم السيادة كما هو حال الدول الأوروبية التي فرضت التأشيرة .
عقلية كروية ترى الفوز بالخبث لا باللعب:
ما زالت بعض العقليات الكروية في إفريقيا تؤمن أن الكأس لا تحرز بالأهداف بل بالضغط، ولا بالتكتيك بل بالفوضى، ولا بالموهبة بل بتعطيل المباراة وتشويه التنظيم.
وحين يخسر الفريق، لا يبحث عن الخلل في أدائه، بل في الحكم، وفي البلد المضيف، وفي المؤامرة الكونية التي لا تنشط إلا عندما تنهزم منتخبات بعينها.
وماذا عن المسؤول المغربي؟
السؤال المشروع هنا لا يهرب من الداخل: هل كان المشرفون على القطاع الرياضي مستعدين؟ هل توقعوا أن تتحول بعض المباريات إلى أدوات ضغط نفسي وإعلامي؟ وهل أُعدت سيناريوهات واضحة للتعامل مع الانسحابات والابتزاز واللعب خارج القانون؟
التنظيم لا يقاس بجمال الملاعب فقط، بل بقدرة المنظم على حماية التظاهرة من العبث المقصود.
إعلام معادٍ… وإعلام محلي مرتبك:
الإعلام المعادي يشتغل بخطة واضحة: تشكيك، تضخيم، تكرار، ثم ادعاء الحياد. في المقابل، بدا الإعلام المغربي في لحظات كثيرة منشغلا بخلافاته الداخلية، أو مترددا في بناء خطاب وطني متماسك.
وفي معركة الإعلام والصورة، الصمت أو الارتباك لا يفسر دائما بأنه رصانة، بل قد يقرأ ضعفا.
حين يساء فهم الكرم:
الشعب المغربي منفتح، مرحب، كريم إلى حد الإفراط. لكن بعض الضيوف قرأوا هذا السلوك باعتباره توددا أو خوفا أو شعورا بالنقص. لم يفهموا أن الكرم ثقافة لا تنازل، وأن حسن الاستقبال لا يعني التخلي عن الاحترام الواجب.
فما كل ابتسامة دعوة للتطاول، وليس كل ترحيب إذنا بالفوضى.
ماذا جنينا من مباراة المغرب والسينغال؟
جنينا درسا قاسيا: أن المباراة النهائية ليست دائما احتفالا، بل قد تكون مرآة للاحتقان… انسحاب ثم عودة، توتر ثم لعب، كرة قدم تختلط فيها الأعصاب بالسياسة.
كانت مباراة داخل الملعب، لكنها كشفت ما هو أخطر خارجه.
ضرورة التئام الصف الإعلامي:
الخطر الحقيقي ليس في منتخب غاضب فقط، ولا في حكم متردد، بل في تشتت الخطاب الداخلي. المطلوب اليوم ليس توجيه اللوم إلى الطاقم التقني أو المسؤولين فقط، بل في بناء جبهة إعلامية وطنية واعية تدافع عن صورة بلد اختار التنظيم والانفتاح دون سذاجة.
وخلاصة ما تصعب خلاصته أن المغرب لم يختر موقعه ولا تاريخه ولا جواره، لكنه اختار أن يكون حاضرا ومنظما ومنفتحا. ومن يسعى إلى إفشال التظاهرة، فمشكلته ليست مع المغرب، بل مع فكرة أن إفريقيا قادرة على التنظيم، وعلى الاختلاف، وعلى الخسارة دون افتعال فوضى.









