أخبار وطنية ودولية

الريادة بالتعليم الإعدادي بين ضغط التقويم واختلالات التنزيل البيداغوجي

بقلم: عبد الحكيم البقريني

يشهد التعليم الإعدادي اليوم مجموعة من التحديات البنيوية والبيداغوجية التي تؤثر بشكل مباشر على جودة التعلمات، وتضع الأستاذ والمتعلم معا في وضعية صعبة بين متطلبات متزايدة وإمكانات محدودة. فبدل أن يكون هذا السلك مرحلة لترسيخ الكفايات الأساسية وبناء الاستقلالية الفكرية، أصبح في كثير من الأحيان مجالا لتراكم الاختلالات وتضخم الإكراهات.

من أبرز هذه الإشكالات غياب الانسجام في التدرج التعلمي بين مستويات الإعدادي، حيث يتم أحيانا تدريس مضامين خارج سياقها الزمني المناسب، أو إعادة نفس الدروس في مستويات مختلفة، مما يربك البناء المعرفي للتلميذ. كما يطرح مشكل الانتقال بين المستويات نفسه بقوة، إذ تبرز فجوات واضحة في اكتساب التعلمات الأساس، خاصة في اللغات، وهو ما ينعكس سلبا على قدرة التلميذ على مواكبة المقررات.

وفي سياق متصل، يبرز التضخم المفرط في عمليات التقويم كأحد أبرز أعطاب المنظومة. فالتلميذ يجد نفسه خاضعا لعدد كبير من الفروض والاختبارات، خصوصا في بعض المواد، إلى درجة يصبح فيها زمن التقويم أكبر من زمن التعلم. هذا الوضع يحول العملية التعليمية إلى سباق نحو النقط، بدل أن تكون مسارا لبناء التعلم العميق وتنمية الكفايات.

ولا تقف الإشكالات عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل العبء الإداري والتقني المفروض على الأستاذ، حيث أصبح مطالبا بمهام متعددة تتجاوز جوهر عمله التربوي، من مسك المعطيات وتعبئة الكفايات إلى التعامل مع منصات رقمية متعددة، غالبا في ظل ضعف التكوين وغياب الوسائل. وقد أدى ذلك إلى استنزاف الزمن المهني للأستاذ، وتحويل جزء كبير من جهده من التحضير والتأطير إلى أعمال تقنية روتينية.

كما تطرح ظروف الاشتغال داخل الفصول تحديات حقيقية، في ظل الاكتظاظ وغياب الإمكانات الديداكتيكية الكافية، مما يصعب تفعيل بيداغوجيات نشيطة تراعي الفروق الفردية. ويزيد من تعقيد الوضع تراجع دافعية عدد من التلاميذ، وضعف انخراط بعض الأسر في تتبع المسار الدراسي لأبنائهم.

أما على مستوى التحول الرقمي، فرغم أهميته، فقد تم تنزيله في كثير من الحالات بشكل ارتجالي، حيث تحولت الرقمنة إلى عبء إضافي بدل أن تكون رافعة لتحسين جودة التعلمات، وذلك بسبب ضعف البنية التحتية وغياب المواكبة الفعلية.

إن تجاوز هذه الاختلالات يقتضي إعادة النظر في التوازن بين زمن التعلم وزمن التقويم، وتخفيف العبء الإداري عن الأستاذ، مع الاستثمار في التكوين المستمر وتحسين ظروف العمل داخل المؤسسات. كما يتطلب الأمر تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين التربويين، وإرساء مقاربة شمولية تضع جودة التعلم في صلب الإصلاح.

في النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو استعادة المدرسة لوظيفتها الأساسية: تمكين المتعلم من أدوات الفهم والتفكير، بدل إغراقه في دوامة من الاختبارات والإجراءات الشكلية التي تفقد التعلم معناه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى