المدرسة التي تتعب أطفالها: قراءة في أزمة الواجبات والمناهج.

بقلم حسن برني زعيم
بلغت درجة الاهتمام بالواجبات المنزلية المطلوب إنجازها في بيوت التلاميذ مستوى مقلقا، لا لأن المدرسة أصبحت أكثر حرصا على التعلم، بل لأن هذا الحرص انقلب في كثير من الأحيان إلى ممارسة تربوية لا تبشر بالخير. فالواجب المنزلي، بدل أن يكون امتدادا طبيعيا للتعلم داخل الفصل، صار عبئا نفسيا وأسريا، يدفع الأطفال تدريجيا إلى النفور من المدرسة ومن كل ما له صلة بطلب المعرفة. والمفارقة أن هذه الواجبات تقدم غالبا خارج أي تصور بيداغوجي واضح ، فقد تنسخ من كتاب مدرسي أو من صفحة أنترنيت أو تستعار من زميل، دون تشخيص لكفايات المتعلمين، ودون مراعاة للفروق الفردية، ودون تمييز بين تمارين التطبيق وتمارين الإنجاز، وفي غياب أي تنسيق بين المدرسين في التوقيت والحجم. وهكذا يجد الطفل نفسه محاصرا بين ضغط المدرسة وضغط الأسرة، فتتحول بعض البيوت إلى ساحات توتر صامت أو معلن، ويصبح المتعلم معلقا في أرجوحة لا تتوقف، ما يفضي إلى اضطرابات نفسية متعددة: قلق، فقدان الدافعية، ضعف تقدير الذات، وأحيانا كراهية مبكرة للتعلم.
ما يحدث اليوم يناقض أبسط مبادئ التعلم الحديثة. فقد بين عالم النفس التربوي “جان بياجيه “أن الطفل لا يبني المعرفة بالتلقين ولا بالتراكم الكمي للتمارين، بل عبر التفاعل النشط مع وضعيات ذات معنى، بينما شدد “ليف فيغوتسكي ” على أن التعلم الفعال يتم داخل ما سماه “منطقة النمو القريب”، أي حين يقدم الدعم المناسب في اللحظة المناسبة، لا حين يلقى الطفل في عزلة مع أوراق مثقلة بالأسئلة. ويضيف باحثا الدافعية “إدوارد ديسي” و”ريتشارد ريان ” أن الإفراط في الواجبات الخارجية يضعف الدافعية الداخلية، لأن الطفل يتعلم بدافع الخوف أو الإرضاء، لا بدافع الفضول والرغبة، وهو ما يفسر سبب تحول كثير من المتعلمين إلى منفذين آليين بدل أن يكونوا باحثين صغارا عن المعنى والفائدة وسبل تحقيق الرغبات وبعض الأهداف الصغيرة التي تكبر مع النمو الجسدي والنفسي والعقلي.
وفي المقابل، تظهر تجارب دول مثل فنلندا وسنغافورة أن الواجب المنزلي، إن وجد، يكون قصيرا، دقيق الهدف، مرتبطا مباشرة بما أُنجز داخل الفصل، ويقدم فقط بعد التأكد من أن المتعلم فهم الدرس. هناك تتحمل المدرسة مسؤولية التعلم الأساسية، وينظر إلى البيت كفضاء دعم نفسي وتنظيمي، لا كفصل دراسي بديل. لذلك لا يكدس الواجب، ولا يستعمل كعقوبة، ولا يقاس الاجتهاد بعدد الصفحات، بل بعمق الفهم. وتشير دراسات في علم الاجتماع التربوي إلى أن تقليص الواجبات، حين يرافقه تعليم صفي جيد، يرفع منسوب الرضا المدرسي ويقلل الفوارق الاجتماعية، لأن الأطفال لا يعودون رهائن لمستوى دعم أسرهم.
أما في المغرب، فالمشكلة أعمق من مجرد ممارسات في قاعات الدروس؛ إنها أزمة مناهج وتصور للتعلم. فمقررات عديدة، ومنها مقررات اللغة العربية في التعليم الإعدادي، لم تعرف مراجعة جوهرية منذ أكثر من عقدين، وما تزال تكرر نفس البنيات والنصوص، وتغلب الحفظ على التفكير، وتجزئ اللغة بدل تقديمها ككفاية تواصلية حية. غير أن الظلم التربوي الأكبر هو تحميل المدرسين وحدهم مسؤولية هذا الوضع، بينما الخلل في جوهره بنيوي، مرتبط بالمناهج والمقررات أكثر مما هو مرتبط بالممارس داخل الفصل. فعدد غير قليل من المدرسين راكموا تجربة ميدانية غنية، وطوروا حسا تربويا عاليا، لكنهم يظلون مقيدين بمحتويات مقررات جاهزة، وبشبكة دروس وأنشطة مفروضة، وباختبارات يطالب بإنجازها تحت إشراف المفتشين التربويين، خصوصا في المستويات الإشهادية. في هذه الحالات لا يملك المدرس حرية حقيقية في اختيار ما يناسب تلاميذه أو في تكييف الإيقاع حسب حاجاتهم، لأن هاجس “إنهاء المقرر” و“الاستعداد للتقويمات الرسمية” يطغى على كل اعتبار بيداغوجي آخر. وهكذا يجد المدرس نفسه هو أيضا تحت ضغط الأداء والنتائج، تماما كما يوضع المتعلم تحت ضغط الواجبات والإنجازات، في حلقة مغلقة من الإكراه المتبادل: الطفل تحت ضغط الواجب، والمدرس مضغوط عليه بالمقرر، وكلاهما رهينة لمنظومة تقويم تركز على الامتحان أكثر مما تركز على التعلم.
ولا يكتمل هذا المشهد المأزوم دون التوقف عند ظاهرة الساعات الخصوصية وحصص الدعم الليلية، التي لا تختلف في جوهرها عن الواجبات المنزلية، إلا في كونها تنقل الضغط من البيت إلى السيارة ومن الدفتر إلى الطريق. فعدد متزايد من التلاميذ يغادرون المؤسسة التعليمية في حدود الساعة السادسة مساء، ليجدوا أنفسهم مباشرة في تنقلات مرهقة بين أحياء المدينة، قبل الالتحاق بحصص إضافية تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، ما يؤدي إلى تأخير وقت النوم واضطراب الإيقاع البيولوجي للطفل. وهكذا يستنزف الجسد والعقل معا، ويختزل التعلم في سباق زمني بين المؤسسات والدروس الخصوصية، بدل أن يكون مسارا تربويا متوازنا. الأخطر أن هذه الممارسة تعمق الفوارق الاجتماعية، لأن من يستطيع دفع تكلفتها يحصل على “تعويض” عن ضعف المنظومة، بينما يُترك الآخرون لمصيرهم، في خرق صريح لمبدأ تكافؤ الفرص. وبذلك تصبح الساعات الخصوصية جزءًا من المشكلة لا من الحل، لأنها تكرس منطق الترقيع بدل إصلاح المدرسة من الداخل، وتحول حق الطفل في الراحة واللعب والنمو الطبيعي إلى امتياز مؤجل.
الواجب المنزلي، في هذا السياق، لم يعد أداة دعم تربوي، بل أصبح انعكاسا مباشرا لأزمة المنظومة كلها. فهو ليس اختبارا لصبر الطفل ولا لسلطة المدرس، بل ممارسة ينبغي أن تبنى على سؤال بسيط: ماذا أريد أن يتعلم المتعلم من هذا النشاط؟ هل يستطيع إنجازه وحده؟ هل يخدم هدفا واضحا؟ هل يراعي مستواه الحقيقي؟ وإذا لم نجد جوابا مقنعا، فالأجدر ألا يعطى. كما أن الآباء ليسوا مطالبين بأن يصبحوا مدرسين في بيوتهم؛ دورهم الأساس هو توفير جو هادئ، وتشجيع أبنائهم، وبناء الثقة، لأن التعليم مسؤولية المؤسسة قبل الأسرة.
الخلاصة أن الواجبات المنزلية، مع الساعات الخصوصية وحصص الدعم الليلية، ليست علامة جدية، بل مؤشر أزمة: أزمة تصور للتعلم، وأزمة مناهج، وأزمة علاقة بين المدرسة والطفل، وأزمة توازن صحي ونفسي للطفل. والإصلاح الحقيقي لا يبدأ بكثرة التمارين ولا بإطالة الحصص، بل بإعادة الاعتبار للمتعلمين، ولمعنى المدرسة، ولمهنة التعليم نفسها، وبمراجعة عميقة للمقررات ومنظومة التقويم، وإعادة الثقة للمدرس باعتباره مهنيا خبيرا لا مجرد منفذ لوثائق رسمية. فالطفل الذي يحب المدرسة ويتعلم داخل بيئة متوازنة جسديا ونفسيا، هو الطفل الذي ينجو من دائرة الإكراه، أما الطفل الذي يخاف المدرسة أو يغرق في سباق الساعات الطويلة، فلا يفعل سوى محاولة النجاة منها.










