أخبار عامة

وجهة نظر: ​التاريخ البديل: هل يمكن للبشرية أن تكتب ملاحمها بلا حروب؟

بقلم حسن برني زعيم

​لو توقفت طبول الحرب عن القرع، لن يصمت التاريخ، بل سيغير لغته من تدوين الموت إلى أرشفة الحياة. في ذلك المسار المفترض، سيتحول التاريخ إلى سجل للأنسنة؛ حيث تخلد الكوارث الطبيعية لا كفواجع، بل كملاحم تكاثف فيها العالم للحد من ويلاتها. هناك، يرتفع شأن الباحث الذي يعمل عقله لهزيمة الأمراض وصناعة الأدوية، وتصبح الاكتشافات العلمية —من المحراث الخشبي وصولا إلى الذكاء الاصطناعي— هي المعالم التي تؤرخ لترقي البشرية، بدلا من تواريخ المعاهدات الهشة والبرامج الاحتيالية الداعية إلى القضاء على الفقر بينما هي ساعية إلى الغش السياسي والاقتصادي اللذين يزرعان بذور الفقر.

​جذور الصراع: من شجار بين الجيران إلى غزو القارات
​لكن الواقع يطرح سؤالا مرا: لماذا يصر التاريخ على أن يكتب بالدم؟ إن الإجابة لا تبدأ من ثكنات الجيش، بل من النفس البشرية في أبسط صورها. فالحرب في جوهرها ليست إلا تضخيما لنزعات كامنة في الفرد. حين نراقب الجار مع جاره في الحي، أو الركاب في حافلة، أو المتبضعين في سوق، نجد الميل نفسه نحو الطغيان؛ حيث يغيب الاحترام المتبادل ويحضر الحسد، الخيانة، أو الاعتداء الجسدي واللفظي.
​هذا الصغير الذي يدهس كرامة غيره في زحام يومي، هو في الواقع مشروع دكتاتور لم يجد بعد الرقعة الجغرافية الكافية لممارسة نرجسيته. فالدولة التي تغزو جارتها ليست في الحقيقة إلا جار سوء امتلك طائرة ودبابة بدلا من الحجر والخنجر.
من نماذج النرجسية في الإنسان:
​التناحر الحزبي : المختبر المصغر للحروب.
​يمتد هذا الانفصام الأخلاقي ليصل إلى الكيانات السياسية الصغرى. ففي الحروب الحزبية، يتجلى الصراع في أبشع صوره؛ حيث يتناحر الأعضاء خلف الكواليس على القيادة والمال. وهنا تضيع البوصلة الأخلاقية: هل يسعون للقيادة من أجل الغير، أم للمال من أجل أكل حقوق الغير؟
​إن غياب حفظ حق الآخر داخل الحزب الواحد هو المختبر الذي يتنبأ بوقوع الحروب الكبرى؛ فإذا كان رفقاء العقيدة الواحدة لا يضبطهم إلا حب السيطرة، فكيف ننتظر من القادة أن يستشيروا الشعوب قبل إشعال فتيل الحرب؟
​شواهد من الذاكرة: عندما تحرق النرجسية القارات:
​التاريخ يزخر بأمثلة تؤكد أن الحرب هي نتيجة لغياب العدالة في النفس قبل السياسة. ولعل أبرز هذه النماذج:
​مأساة يوغوسلافيا سابقا: قبل انفجار الصراع في التسعينيات، كان الجيران من أعراق مختلفة يعيشون في ذات البناية ويتشاركون الأسواق. وبمجرد أن أشعل القادة نيران النزعات العرقية والإيديولوجية، تحولت تلك الخصومات الفردية الكامنة إلى تطهير عرقي بشع. لقد أثبتت هذه الحرب أن الصغير الذي كان يضمر الحسد لجاره، تحول إلى قاتل بمجرد أن منحه الكبار السلاح والشرعية.
​نابليون بونابرت: يجسد الإمبراطور الفرنسي نموذج الكبير الذي لم يشاور الأبرياء يوما. فبينما كان يدعي حمل قيم الثورة، دفعت به نرجسيته لتنصيب نفسه إمبراطورا وجر مئات الآلاف من الفقراء والعجزة والشباب إلى محارق الموت في صقيع روسيا، ليس من أجل رفاهية الإنسان، بل من أجل مجده الشخصي.

​ضحايا المعادلة المستحيلة:
​يبقى الأطفال والفقراء هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؛ فهم الوقود الحيوي الذي يحترق بنيران لم ينفخوا فيها يوما. يقتلون لأن الكبار في الاقتصاد والسياسة قرروا تصفية حسابات نرجسية على جثث من لا صوت لهم. وهنا يبرز التساؤل الفلسفي: هل يشتكي الصغار من الحروب حكمة منهم، أم لأنهم ببساطة لا يملكون القدرة على أن يكونوا كبارا يمارسون الطغيان نفسه؟
​إن الانتقال إلى تاريخ بلا حروب يتطلب ثورة في السلوك تبدأ من احترام الجار في العمارة لتصل إلى قرار الرئيس في القصر. فما لم يسد الاحترام المتبادل في أبسط صور الاحتكاك اليومي، سيبقى التاريخ مرآة لمآسينا، وستظل النرجسية الفردية هي المحرك الأول للدمار الشامل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى