aaa00055

بقلمي: عبد الحكيم البقريني

يتلفظ السياسي ، ويرسل ، بل بفتح فيه أكبر ، لكن بملفوظات كلها ألغام مغطاة بعسل . يتلفظ السياسي ، فيسحر الألباب ، يأخذها بعيدا ، إلى أبعد مدى حيث يمارس دمويته ، فلا تستعجل الحكم ، إذ كل تشابه بين الشخصيات الافتراضية والواقعية فهو من قبيل الصدفة ، أو إسقاط منك أيها القارئ الفطن .
ينتقي السياسي ملفوظاته ، فيختار الأكثر عسلية ، التي تساير وعوده البعيدة المدى ، ينتقي الكلمات الحاملة لدلالات شتى ، القابلة للتأويلات المتعددة . ما دامت الأهداف والغايات دقيقة ، ونسبة التحقق ضئيلة جدا جدا .
السياسي حربائي المعاني ، سفسطائي ، قلّما يصمت ، وتقل حركات عينيه ، فهو يقرأ كلام مخاطبيه ويعطيه أبعادا ، ويريد منهم أن يقبلوا كلامه دون جدال أو نقاش . استسلام وتسليم ، لعلها حكمة “الزعيم والرعاع” ، ولا يتوانى في تغيير لغة خطابه ، وتلوينات ملامحه بتغير طبقة المخاطبين ، فيستحضر الحربائية كلما ارتقت الطبقة الاجتماعية ، ويستدعي السذاجة كلما تدنت ، وأصبح مع العوام .
يعرف السياسي أن تحقيق الأهداف يتطلب نفسا لذا فهو يتميز بالصبر ، وطول النفس ، لا ينزعج من كلام الخصوم ، وانتقاد العوام له ، إذ كلما احتمل أكثر تمددت عهدته السياسية ، وسلطته المعنوية ، منبع لذته ، فيجد ضالته أحيانا في الشكوى والبكائية والمظلومة ، وأخرى في تمجيد الانجاز والأشخاص حتى ولو كان ذلك تضليلا للتاريخ الحقيقي ، ومرة يعلن نفسه الملاذ ، وطوق النجاة ، والمالك للعصا السحرية . فيكثر من الشفوي والإطناب اللغوي ، كل ذلك رغبة في الأرائك المتقابلة والقاعة المكيفة .
يألف السياسي الكرسي والقاعة المكيفة ، ويتعلق شديدا بلوحات المكتب ، لذا فلا غرابة إذا حمل ما التصق بقلبه عند مغادرة البناية في اتجاه أخرى . هي قصة عشق وحب من نوع آخر لا يعرف أسرارها وسريرتها سوى من أعلن الولاء والالتزام للسياسة .
يتقلب السياسي (ليس كل سياسي) بين الأحزاب ،فتراه يعلن الولاء مع كل ولاية للون جديد ، وشعار جديد ، ينعطف من اليمين إلى اليسار، أو العكس مرورا بالوسط . وهنا تلعنه الكلمات والايديولوجيات التي توارت أمام النفعية ، والمصلحة فالظرفية . ولا ينام السياسي قرير العين إلا لماما فالهاتف يرن ، والأسرة تحن ، والابن يجن ، والبنت تئن ، والذاكرة تشكو من قن ، والأتباع والرعاع ولجوا سوق العبيد والقن . أرق بطعم القلق ، ونفاق يفضي لشقاق . فأتعِسْ بها من حياة بلا مذاق !
ومما قرأته بكتاب “جميل المقال وأبهة السياسة والمال” أن البكمائي بدمعاته ومظلوميته استطاع تمظية ولاية بقفشات ، فغنم بمأوى ومعاش يغنيه شر الحاجات ، وفي باب زلة اللسان أن الوزير والمستشار أبكى أهل الفرجة وصناعها حينما جعل الذعيرة دعارة ، وآخر جعل الصنابير بزابيزا ، وأقسم ألا يعقب على جواب الوزير ما دام بارا به ، وبسياسته الرشيدة . ومما جاء بمصنف سلاطة اللسان أن زعيمهم أرعن وأزبد حينما خاطبته النائبة وقزمت حزبه ، فما كان منه إلا أن خاطبها بلسان عامي :”بزاف عليك ديالي كبير عليك” ، وتلك وزيرة انتابتها موجة ضحك هستيري حينما لم تستطع نطق كلمة الليشمانيا . وآخر مفعفع الكلام ، ونظيره غيَّر وقلب الأسامي ، وأخرى اعتبرت الراتب الوزاري هزيلا يفضي للأسقام . ومن نواذر النواب ما صدر عن البرلماني المحتار ، حينما رمى الورقة وثار، لأنه لم يستطع قراءة الكلمات ، ويضع سؤاله المختار . أما الأخطاء اللغوية داخل القاعة ، فهي بين النواب مشاعة ، ولعلها انتهت بمقتل الزعيم ، صاحب المقام العميم ، من نطق المرفوع مرفوعا ، والمنصوب منصوبا ، والمجرور مجرورا ، فهو الذي لم يؤمن بمقولة : “اجزم تسلم” ظل شامخا إلى أن أسقطوه غدرا فجرا . وأعقبوه إخراس بلاغة نائبة ، تحدثت نصا بليغا ، فهمشوها قبوا وبيخا .
تلك هي علاقة السياسي بملفوظاته المبطنة ، المحشوة عسلا ، وأملا للظفر بالمال ، والتي جرته لطرائف ونواذر من البدء إلى الختم .

1000 حرف متبقي