مجتمع

حين يصبح الحديث عن الجسد بدايةً لإعادة بناء الإنسان… كيف أعاد مشروع “أنا وصحتي” الأمل إلى قرى الحوز؟

بقلم : هدى بلخودة

في إحدى القاعات البسيطة بإحدى قرى إقليم الحوز، لم يكن الصمت في بداية الجلسة مجرد هدوء عابر، بل كان انعاسًا لسنوات طويلة من الحرج والخوف والأسئلة المؤجلة. جلست عشرات النساء وهن يتجنبن النظر إلى بعضهن، فيما بدت مواضيع الصحة الجنسية والإنجابية أبعد من أن تُناقش علنًا. بعد ساعات قليلة فقط، كانت القاعة نفسها تمتلئ بالأسئلة، والضحكات، والدموع، والتصفيق.

 

في نهاية اللقاء، وقفت إحدى النساء لتقول بصوت امتزج فيه الامتنان بالألم:

 

“لأول مرة أشعر أن أحدًا جاء ليسمعنا قبل أن يعلّمنا.”

 

لم تكن تلك الجملة مجرد شهادة عابرة، بل كانت تلخص فلسفة مشروع “أنا وصحتي”؛ مشروع لم يأت ليقدم دروسًا نظرية، بل ليعيد بناء الثقة بين الإنسان وصحته، وبين المجتمع وقدرته على حماية أفراده.

 

ما بعد الزلزال… حين تصبح الصحة جزءًا من إعادة الإعمار

 

منذ زلزال الحوز، انصبّ اهتمام كثير من المبادرات على إعادة بناء المنازل والبنيات الأساسية، وهو أمر لا غنى عنه. غير أن إعادة إعمار الحجر لا تعني بالضرورة إعادة ترميم الإنسان.

 

فالنساء كنّ يحتجن إلى فضاء آمن للحديث عن صحتهن، والشباب كانوا بحاجة إلى معلومات علمية تزيل الصور النمطية، والأطفال إلى أدوات لحماية أنفسهم، فيما كانت المجتمعات القروية بحاجة إلى أشخاص قادرين على التدخل عند وقوع أي طارئ صحي.

 

من هذا الإدراك وُلد مشروع “أنا وصحتي”، الذي نفذته جمعية القرية النظيفة (Association Le Village Propre) بشراكة مع جمعية ويناروز أدرار (Association Winarouz Adrar)، وبدعم من Fondation de France في إطار برنامج Solidarité Maroc.

 

لم يكن الهدف تنظيم دورات تدريبية فحسب، بل الاستثمار في رأس المال البشري باعتباره أساس أي تنمية مستدامة.

 

حين كسرت النساء حاجز الصمت

 

في المجتمعات القروية، غالبًا ما تُحاط مواضيع الصحة الجنسية والإنجابية بالصمت، ليس لأنها غير مهمة، بل لأنها ارتبطت عبر سنوات طويلة بالخجل والخوف وسوء الفهم.

 

اعتمد المشروع مقاربة تراعي الخصوصية الثقافية، من خلال تنظيم جلسات منفصلة للنساء، وتوفير فضاءات آمنة للحوار، والاستعانة بمؤطرة تمتلك خبرة علمية وحسًا إنسانيًا مكّنها من بناء علاقة ثقة مع المشاركات.

 

شيئًا فشيئًا، بدأت الأسئلة التي ظلت حبيسة لسنوات تجد طريقها إلى النقاش.

 

تتذكر إحدى المشاركات تلك اللحظة قائلة:

 

“كنت أظن أن كثيرًا مما أشعر به أمر طبيعي لا يستحق الحديث عنه، لكنني اكتشفت أن المعرفة قد تحمي حياتنا.”

 

وأضافت أخرى:

 

“في بداية الجلسة لم أكن أجرؤ على الكلام، لكن في النهاية شعرت وكأنني تخلصت من حملٍ كنت أحمله منذ سنوات.”

 

ولم تقتصر آثار هذه الجلسات على اكتساب معلومات جديدة، بل امتدت إلى تعزيز الثقة بالنفس، وتحسين الحوار داخل الأسرة، وتشجيع النساء على الاهتمام بصحتهن باعتبارها حقًا وليس ترفًا.

 

عندما يصبح الرجال جزءًا من الحل

 

واحدة من أكثر الرهانات تعقيدًا في المشروع كانت إشراك الرجال والشباب في النقاش حول الصحة الجنسية والإنجابية.

 

في البداية، كان كثير منهم ينظر إلى هذه المواضيع باعتبارها “شأنًا نسائيًا”، أو يتعامل معها بشيء من التحفظ.

 

لكن الفريق اختار عدم مواجهة هذه المواقف بالصدام، بل بالحوار.

 

من خلال جلسات تفاعلية، وأمثلة من الحياة اليومية، ونقاشات مفتوحة تحترم المرجعية الثقافية للمجتمع، بدأت الصورة تتغير تدريجيًا.

 

قال أحد الشباب بعد انتهاء التكوين:

 

“كنت أعتقد أن الصحة الجنسية تعني موضوعًا واحدًا فقط، لكنني اكتشفت أنها مرتبطة بالاحترام، والمسؤولية، وصحة الأسرة كلها.”

 

في نهاية المرحلة الأولى، لم يعد الرجال مجرد مستفيدين من التدريب، بل أصبح عدد منهم سفراء للرسائل الصحية داخل أسرهم وقراهم، ينقلون المعرفة ويشجعون على الحوار بدل الصمت.

 

مهارة قد تنقذ حياة

 

إذا كانت جلسات الصحة الجنسية والإنجابية قد غيرت طريقة التفكير، فإن تدريبات الإسعافات الأولية منحت المشاركين شيئًا آخر: القدرة على الفعل.

 

في مناطق جبلية يصعب فيها أحيانًا الوصول السريع إلى الخدمات الصحية، قد تكون الدقائق الأولى بعد الحادث حاسمة.

 

لهذا ركز المشروع على تدريب النساء والرجال على المهارات الأساسية للتدخل في حالات الطوارئ.

 

لم تعد الإسعافات الأولية مجرد معلومات نظرية، بل تحولت إلى ممارسات عملية من خلال تمارين ومحاكاة لسيناريوهات واقعية.

 

وبعد أسابيع من انتهاء بعض الدورات، أبلغ عدد من المشاركين عن استخدام ما تعلموه في التعامل مع حالات بسيطة داخل أسرهم، وهو ما عزز شعورهم بالثقة والمسؤولية.

 

التنمية تبدأ من المجتمع نفسه

 

لم يعتمد المشروع على تدخلات خارجية فقط، بل راهن على بناء قدرات محلية تستطيع مواصلة العمل بعد انتهاء التمويل.

 

لذلك تم تكوين شبكة من الوسطاء المجتمعيين من النساء والرجال، الذين أصبحوا حلقة وصل بين الفريق والسكان، وساهموا في تعبئة المشاركين، وتيسير الأنشطة، ونقل الرسائل الصحية بلغات وأساليب قريبة من المجتمع.

 

هذه الشبكة لا تمثل فقط وسيلة لتنفيذ الأنشطة، بل تشكل نواة لرأس مال اجتماعي محلي قادر على الاستمرار.

 

الاستثمار في الإنسان

 

قد تبدو أرقام المشروع مهمة.

 

مئات المستفيدين المباشرين.

 

مئات الحقائب الصحية الموزعة.

 

عشرات الدورات التكوينية.

 

لكن القيمة الحقيقية للمشروع لا تختزل في هذه الأرقام.

 

فقيمة “أنا وصحتي” تكمن في امرأة أصبحت قادرة على اتخاذ قرار يتعلق بصحتها دون خوف.

 

وفي شاب أصبح يرى أن احترام صحة المرأة جزء من مسؤوليته.

 

وفي وسيط مجتمعي أصبح مرجعًا لقريته.

 

وفي مجتمع بدأ يدرك أن الوقاية أقل كلفة من العلاج، وأن الحوار أكثر فاعلية من الصمت.

 

شراكة تتجاوز التمويل

 

كان دعم Fondation de France عنصرًا أساسيًا في إطلاق هذا المشروع، لكنه لم يكن العامل الوحيد في نجاحه.

 

فالجمعيتان المنفذتان حرصتا على تعبئة مواردهما البشرية والتنظيمية، وتعزيز التنسيق مع الفاعلين المحليين، والاستثمار في جودة التنفيذ، مع اعتماد مقاربة تشاركية تراعي خصوصيات كل دوار.

 

هذا التكامل بين الدعم المالي، والخبرة الميدانية، والانخراط المجتمعي، أتاح تنفيذ تدخلات حافظت على جودتها رغم التحديات الجغرافية والثقافية واللوجستية.

 

ما الذي يبقى بعد انتهاء المشروع؟

 

قد تنتهي الأنشطة، وقد تُغلق ملفات التمويل، لكن الأثر الحقيقي يقاس بما يبقى بعد ذلك.

 

يبقى وسيط مجتمعي يواصل التوعية.

 

وتبقى امرأة تنقل ما تعلمته إلى بناتها وجاراتها.

 

ويبقى شاب يتدخل لإنقاذ مصاب لأنه تعلم الإسعافات الأولية.

 

ويبقى مجتمع أصبح أكثر استعدادًا لمواجهة التحديات الصحية بموارده الذاتية.

 

لهذا، فإن قصة “أنا وصحتي” ليست قصة مشروع نفذ مجموعة من الأنشطة، بل قصة مجتمع بدأ يستعيد ثقته بنفسه، ويكتشف أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من الإسمنت، بل من الإنسان.

 

في الحوز، بعد الزلزال، كان الجميع يتحدث عن إعادة بناء البيوت.

 

أما “أنا وصحتي”، فقد اختار أن يبدأ بإعادة بناء شيء آخر… الثقة، والوعي، والقدرة على حماية الحياة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى