مجتمع

تحديات اللغة العربية في عالم اليوم 

قلم : عبد الحكيم البقريني

 

اللغة هي الإنسان ، هي الحياة بكل مكوناتها ، بها نعبر عن أحلامنا وعواطفنا ، وأفكارنا وعقائدنا ، وتجاربنا المختلفة ، وبها نتواصل مع الآخر . اللغة حاضنة لثقافة الهوية والبلد ، ومن واجبها الانفتاح ، واستيعاب ثقافات الأرض . وكغيرها من مظاهر الحياة ، تتعرض لتحديات قد يضعفها ، فتظهر طفرات أخرى من عمرها .

تعد اللغة العربية من أقدم اللغات ، كما أنها تتفوق بعدد كلماتها ، وبخصائصها الجمالية كالفصاحة والترادف ، ودلالة الأصوات على المعاني . وعلم العروض ، والتخفيف والايجاز ، فالإعراب . فضلا عن الجماليات التي أظهرتها علوم البلاغة ( البيان ، البديع ، المعاني ) . وقد كانت اللغة العربية لغة العلم والحضارة على مدار ثمانية قرون من الزمان ، واستوعبت كل ثقافات الأرض حتى أنها غدت أواخر القرن الثاني عشر الميلادي لغة العلوم ، والمصدر لكل نهضة .

كغيرها من اللغات العالمية تتعرض اللغة العربية لمزاحمة العامية في المدارس والجامعات ، وفي الإعلام ، فضلا عن تحديات أخرى منها : نظرة أسرية تختزل اللغة العربية في سياق بناء علاقات اجتماعية ناجحة ، فهي تدعو لتعليمها لفهم ثقافة المجتمع فقط . بينما تحرص على تعليم اللغات الأخرى للاستعداد للوظيفة ، هذا الموقف له مبرراته الموضوعية والواقعية ، وإن كنا لا نجد مبررا لمن يحشو حديثه اليومي بمفردات ، وعبارات بلغات أخرى ، أثناء التسوق أو الحوارات المعتادة . إنها معايير اجتماعية خاطئة يعتبر أصحابها أن الحديث بلغة غير العربية تعبير عن الحضارة والرقي … تحدي آخر يواجه اللغة العربية : إنه المنهاج الدراسي بين الاستهلاك والانتاج ، فمنهاج اللغة العربية في تراجع دائم بتغييب نصوص الرواد ، النصوص الطافحة بالرقي اللغوي ، الحبلى بقيم الجمال . فخلفيات اختيار النصوص ، والتصرف فيها لإرساء الظاهرة النحوية المدرسّة بالدروس اللغوية حدت من الجمالية ، وكرست العزوف عن القراءة ، والبعد. عن الكتاب .. إن تقديمنا للمتعلم نصوصا هجينة لن يزيده سوى بعدا عن الكتاب ، وعن اللغة . فرقي المتعلم لغويا رهين بنصوص راقية ، بانية لفكره . وليس النزول لمستواه اللغوي بنصوص يطغى عليها لغة الحديث اليومي سبيل لحب اللغة ، والتعلق بالكتاب . ولعل الإعلام الإلكتروني في مقدمة التحديات التي تواجه اللغة العربية ( كغيرها من اللغات) فالكثير من المواقع تفتقد السلامة اللغوية ، ودقة المحتوى ، والخلو من اللحن اللغوي ، فضلا عن استعمال الحروف اللاتينية والملصقات . إنه الاسفاف في أجل تجلياته . كلمات بالعامية أو باللغة العربية مزجت الأرقام بالحروف اللاتينية ، لتحقيق رسالة قلما تتحقق بين مرسل ومرسل إليه . هذا الاسفاف واللحن اللغوي امتد لقنوات التلفزيون ، وليافطات المحلات التجارية . فأين الرقابة اللغوية ؟ وأين التدقيق اللغوي ؟ . لكن الأمر الخطير هو زحف التلهيج واقتحامه المقرر الدراسي ، والتجاوب مع المبادرات التي أطلقها دعاته ، ممن يعدوا أعداء للغة العربية . بيد أن مسعاهم لن يتحقق لأن لغتنا العربية باقية ، فهي التي حافظت على خصائصها ومميزاتها على الرغم من كل التغيرات ، وعلى الرغم من امتدادها الزمني .

من كل ما سبق نأمل بصحوة تعيد للغة ألقها ورونقها ، وذلك برسم سياسة لغوية واضحة الأهداف والغايات ، سياسة بانية ، خالية من خلفيات الإيقاع بها ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى