مجتمع

العنف الجنسي المبني على النوع الإجتماعي في غياب قوانين صارمة.

عندما نتكلم عن العنف الجنسي المبني على النوع الاجتماعي من المهم ان نأخذه بعين الاعتبار بصفته جريمة مستقلة و ليس نوع من انواع التعذيب بصفته فعل يمارس لتحطيم مجتمع مع اثر بعيد جدا فمن الاجدر ان يتم اخذه كجريمة موصوفة مستقلة بذاتها و ليس نوع من انواع التعذيب 

و بعد صدور وثيقة لهاي في عام 2002 بدا الاعتراف بجرائم العنف الجنسي كجريمة ابادة جماعية ضد الانسانية فعلى سبيل المثال مع انطلاق الثورة السورية انبثقت ظاهرة العنف الجنسي الممارس في مراكز الاعتقال بشكل علني و ذلك حسب ما جاء في التقرير الذي اصدرته لجنة التحقيق الدولية المستقلة عام 2011 توالت بعدها تقارير تضمنت شهادات و توثيقات للتعذيب و الجرائم الجنسية و قد تم اللجوء الى العنف الجنسي و الاغتصاب كاستراتيجية متعمدة ضد كل الفئات و الاعمار .

العنف الجنسي

و غمار تركيز الدعاوي على احتمال وجود ارتكاب قصدي لمجموعة من الجرائم القائمة على العصبة الجنسية و الجندرية  يمكننا ان نرى اساسا من الناحية القانونية بانه هجوم ضد المدنيين و هو هجوم واسع النطاق و منهجي بطبيعته و الهجوم يكون ناتجا عن افعال مختلفة و بالتالي فان الاعتقال التعسفي هو فعل واحد و التعذيب هو فعل اخر و الجريمة الجنسية القائمة على النوع الاجتماعي هو فعل اخر لارتكاب جرائم ممنهجة في حق المدنيين. 

و يرجع السبب الرئيسي او الحاجة الى التركيز على هذه الفئة من الجرائم هو من اجل الفهم المجتمعي و فهم المجتمع الدولي فقد ثم استخدام الجرائم الجنسية و الجنسانية بهذه الطريقة تماما مثل التعذيب فحسب الاحصائيات الحالية تعرضت السنة الفارطة 243 مليون امرأة و فتاة  للعنف الجنسي او البدني بجميع انحاء العالم و المغرب بذاته يشكل رقم مهم في هذا المجال 31 بالمئة من النساء تعرضوا للعنف من ازواجهم. 

و يعتبر العنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي كل فعل يكون جنسيا في طبيعته وينفذ دون موافقة الضحية  بحيث انه يمارس ضد الشخص بسبب جنسه  و تجدر الاشارة الى ان غالبية  الضحايا والناجيات من العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس هم من الفتيات والنساء و يتخذ العنف الجنسي عدة اشكال منها الاعتداء الجنسي الاستغلال الاكراه على البغاء الاغتصاب  كما يمكن ان نجد العنف الجنسي في اطار العلاقة الزوجية حينما تغيب الارادة بين احد الطرفين الامر الذي  يستوجب التركيز على نقطة مهمة في هذا الصدد على ان اي علاقة او نشاط جنسي مع طفل او شخص لم يكمل 18 سنة يعتبر عنف جنسي و تترتب عنه مجموعة من   العقوبات و النتائج السلبية على معيار نمو الضحية. 

“مضطرة نكون راجل  وسط الرجال باش نقدر نحمي راسي” هذه العبارة التي تحمل في طياتها  معاني جد عميقة نعم هناك نصوص قانونية جديدة و اخرى قديمة  لكن المشكل الحقيقي هو الهوة التي تصبح بين القانون و المجتمع  فمقياس تقدم و رقي الامم يقاس بمدى احترامها للقانون و اهم من هذا احترامها للمرأة في المجتمع المغربي، سواء في الشارع كمواطنة عادية او كمستخدمة  اجيرة ربت بيت رئيسة مرؤوسة فاعلة سياسية كدا و حقوقية ففي احترام للقانون احترام للمرأة. 

و يجب الاشارة الى نقطة مهمة تختزل مجموعة من الافعال التي يعتبرها المجتمع عادية و إن هي في اصل القانون تأخذ اطار الجريمة بحيث ان هناك العديد من الممارسات التي تمارس يوميا سواء في الحياة العادية اليومية، الشارع وسائل النقل، بغض النظر عن الحياة الزوجية . الاساسي ليست امرأة او رجل الاساسي هي مسالة انسان كما ان الساحة الحقوقية بالمغرب لا زالت تستشهد بوجود العقليات الذكورية المتجذرة في عقول النساء و الرجال فعندما تكون المرأة ضحية اعتداء جنسي، القانون بطبيعة نصوصه منصفا لها لكن تطرح الاشكالية في تطبيقه. مشكل الرأسمال البشري الذي يجب ان يعاد فيه النظر في غمار تنفيد القوانين و الاتفاقيات الدولية  لأنه عندما يكون المنفذون اقرب الى الفكر الذكوري و العقليات السائدة داخل المجتمع اقرب من ذلك من الرغبة في تطبيق القانون و تنزيله كما وضعه المشرع او كما كانت فلسفته الحقيقية ابان وضعه او التفكير به هنا نحصل على تشويه للقاعدة القانونية من طرف المطبقين او نجد قيود و عراقيل متباينة. 

اما بخصوص الولوج الى العدالة  فالضحية كفئة هشة مكلفة بتجميع الادلة و هذا امر سلبي يستوجب اعادة النظر فكيف مثلا يمكن اثبات العنف الجنسي الزوجي في جريمة الاغتصاب بحيث ان المشرع المغربي يعرف الاغتصاب على انه مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها فهو لم يقل مواقعة الزوج لزوجته بل ذكر رجل و امرأة بغرض التعميم و عدم الاختصاص و هذا يعني في عمقه ان القانون المغربي في لبه يعترف بالاغتصاب الزوجي فإن كان هناك قاضي رائد في عمله يملك ترافع استراتيجي ستخول له صلاحياته تطبيق هذا الفصل حتى على المتزوجين كما ان تجريم الاغتصاب يجب ان يكون حاضرا و بقوة سواء كان هناك زواج او لا لأن  تعريف الاغتصاب هو الغصب و اي شخص يقبل على نفسه ان يأخذ شيء بالغصب يجب ان يعرف انه يقوم بفعل جرمي.   

ان الحياة الزوجية تبدا بمسالة اسمها الرضا و ان لم تكتمل بالرضا ستنتهي بالقضاء. كما يمكن ان نجد العنصر الذكوري ضحية للعنف الجنسي الا انه و بطبيعة الثقافة المغربية او العربية بصفة عامة و بالرجوع الى  قضية العقليات لا يبوح الرجل بالاعتداء الجنسي لإظهار مجموعة من الاشياء مرتبطة بالفحولة و الفكر الذكوري. كذلك هناك غياب تام لتشجيع النساء بتقديم شكايات تحت لواء الخوف من ردود افعال المجتمع بغض النظر على ان الاعتداء الجنسي يترك بصمة جد ثقيلة و صدمة قوية على المستوى النفسي فالأثار الجسدية يمكن ان تكون طبقية لكن الاثار النفسية جد ثقيلة و تترك اثرها على مدى الحياة بالرغم من ان كثمان هذه المسائل يخلق عقد جد مدمرة على  مستوى الجهاز النفسي للمراة.

و تجدر الاشارة الى ان كلمة رجل تختلف عن كلمة ذكر كما ان الفكر الذكوري يتواجد عند النساء و الرجال غير ان الرجل يجد فيه امتيازات و مصالح تخدمه تحت شعار” انا رجل انا ملك في محيطي اي انه من حقي ان افعل ما شئت في حق الجنس الاخر” مستخفيا بمجموعة من الاسباب التافهة و التي لا تربطه اية صلة بها كلباس النساء و اوقات خروجهم فهذه الامور لا تعنيه و خارج عن نطاق حريته و لا تمنحه الحق بالتحرش او اعطائه ملاحظات يختصها بها. فيجب تلقين دروس مهمة منها العيش في فضائك الخاص و التزام حدودك لان نجاح المجتمع رهين بقبول الاختلاف و هي مسالة في بالغ الاهمية كما  يجب الاستيعاب ان القانون هو الفيصل بين الاشخاص يعني انت حر في تفكيرك لكن سلوكك يجب ان يكون طبقا للقوانين فليس من حق اي شخص ان يتجاوز القانون باسم الفحولة او السلطة أو النفوذ. كما يستوجب الرجوع الى نقطة مهمة الا وهي ان قضايا النساء حلها الحقيقي في ملكنا نحن كمجتمع  اليوم الذي سنستوعب فيه مدى حرية المرأة في اختيار اسلوب حياة نمط عيشها اختياراتها الشخصية متزوجة، مطلقة، محتجبة فأولا و قبل اي شيء المرأة حرة و خلقها الله حرة 

و طبقا لمقتضيات قانون 103.13  المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء و الذي احدث ثورة في الترسانة القانونية المغربية، حيث أتاح للمملكة المغربية إطارا قانونيا شاملا خاصا بمحاربة كافة أشكال العنف ضد المرأة كما انه يهدف  إلى توفير الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف، من خلال أربعة أبعاد، تهدف إلى ضمان الوقاية والحماية وعدم الإفلات من العقاب والتكفل الجيد بالضحايا و قد تحدث لنا عن العنف بأنواعه فحسب القانون و المشرع: العنف الجنسي هو كل فهل او قول و استغلال من شانه المساس بحرمة جسد المرأة لأغراض جنسية او تجارية اي كانت الوسيلة المستعملة في ذلك وهنا التفسير موسع كما ان العنف الجنسي داخل المنازل و في حرمة البيوت لا يقتصر فقط بين الازواج بل تطال العلاقة بين الوالدين و الابناء الاخ و الاخت. 

و في اطار المجتمع المغربي النساء لديهم تخوف و مخاطر عند التقدم بشكايات من هذا النوع الامر الذي يجعلهم محاطين بأحكام القيمة  بحيث نجد تفضيل الزوجة التحمل و الكتمان على ما يسمى بالفضيحة الاجتماعية، فهناك مجموعة كبيرة من النساء يستمرون في تحمل العنف و الاعتداء الجنسي الامر الذي ينتج عنه اثار سلبية على صحتها الجسدية و النفسية فكيف ستتعامل هذه المرأة المعنفة مع اولادها و كيف ستجسد تربيتهم بحيث ان الاغتصاب الزوجي في المغرب لا يجرم اجتماعيا كما يترتب عنه انواع اخرى للعنف كالعنف الاقتصادي النفسي الجسدي هذه كلها مواضيع موجودة في الساحة الاجتماعية لكن لا يمكن احصاؤها كما ان امكانية الولوج للعدالة في هذه المواضيع رهينة بشجاعة المرأة بالإضافة إلى ان عدد كبير من قضايا الطلاق سببها الرئيسي هي مشاكل جنسية مغلفة بما هو اجتماعي و هنا تتضح اهمية افتتاح الفرصة لندوات و مقالات تعالج هذا الموضوع و ترفع ستار الحشمة عنه بإزالة الحواجز و هو امر رهين بالثقافة الجنسية فعندما تغيب الثقافة الجنسية و الوعي الجنسي الاخلاقي تنبثق مجموعة من المشاكل في حدود حرية التعامل مع الجنس الاخر فلا يمكن ان يظل في اعتبار الرجل انه ما دام في محيطه اي انه في مملكته اي كل من يتواجد في مملكته ملكا له        

كما تؤكد الاستاذة ايمان نبيلي متخصصة في دراسة النوع الاجتماعي  على اهمية الجانب الاقتصادي للضحية في الولوج الى المجال القضائي بنجاح باعتبارها ان المرأة الضحية  الغير المستقلة اقتصاديا  هي حالة مهمشة و هشة مرتين اكثر من المرأة الضحية   المستقلة اقتصاديا ، كما اعتبرت القانون ركيزة اساسية و اولية في تربية المجتمع و تغيير العقليات و خلق مبدا العدالة  على المدى المتوسط  ” فعل لا يعاقب من طرف القانون يصبح متاحا اجتماعيا ” و قد ابانت الاستاذة ايمان نبيلي على ان العنف الجنسي المبني على النوع الاجتماعي موجود في العالم بأكمله غير انه يسجل قوة الحضور في البلدان العربية بالنظر القوالب النمطية الاجتماعية  الثقافة العقليات الذكورية السائدة الفهم الخاطئ للدين السياق الاجتماعي كدا و السياسي 

و قد اكد عبد الله العبودي، خريج الفوج الثاني من مشروع العيادة القانونية لكلية الحقوق -فاس، طالب في سلك الماستر، تخصص الدستور والحكامة المالية على ان  البنية الاجتماعية الحالية تركز بشكل أكثر وحشية على التميز ، والنزعة الفردية ، وتحقيق الأنانية والجانب الأكثر  هشاشة في الفرد الذي يعاني من تعلق مضطرب ومشوش، ويعتقد البروفسور فونغي  أن التعلق  غير المنظم وما يرتبط به من تعقيدات في التنظيم الذاتي يمكن أن يحدث على الأقل جزئيا ، بسبب ان  المجتمع قد تخلى عن وظيفته في الرعاية ، وأهمل  مؤسساته الداعمة للتنمية العاطفية ، والتي تحولت  أولوياتها من  الاهتمامات العقلية  والعاطفية الى الاهتمامات المادية، الأمر  اتضحت عواقبه بازدياد ضحايا  العنف المتصاعد من حولنا، مشكلة العنف بين الرجال ضد النساء  لا يمكن أن تعالج معالجة كافية من دون التزام حقيقي  برصد الموارد الكافية  من أجل الوقاية ، وبتقديم الدعم الكامل للآباء والأمهات والأطفال الصغار وإعادة النظر جذريا  في الأولويات الاجتماعية في اتجاه مقاربة اجتماعية وتربوية ترتكز على  تنمية العلاقات التعاطفية  في الأسرة والمجتمع.

لا يمكن اختزال العنف الجنسي المبني على النوع الاجتماعي في مقال صحفي الا اننا نحاول جاهدين ان نتطرق و لو لربع نطاق الموضوع من اسباب نتائج وكدا اقتراحات لعلاج هذه المعضلة عن طريق التوعية و التحسيس و ضع استراتيجيات ناجعة باقتراح من خبراء في المجال الاجتماعي القانوني  .

بقلم :هدى بلخودة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى