فن وثقافية

قــــراءة في كتاب “الصحافة والتاريخ” للمؤرخ الطيب بياض

(الحلقة الثانية : الاحتباس الثقافي )

بقلم ذ. محــمـد أمـقــران حـمــداوي
شرعت في قراءة كتاب “الصحافة والتاريخ” للمؤرخ والأستاذ الجامعي الطيب بياض ، وجدت فيه زخما من المعلومات القيمة . أول شيء استرعى انتباهي هو اللغة الأنيقة التي يمتلك بياض الطيب ناصيتها وأدوات صنعتها ؛ فالكاتب كيفما كان تخصصه وكيفما كانت قيمة الأفكار التي يطرحها ويدافع عنها لن يستطيع الانفتاح على القارئ إذا لم يصرف خطابه في وعاء أدبي ممتع. وهذه ميزة أساسية تضمن لكتابات الطيب بياض حفاوة الاستقبال وكبير الوقع في نفوس القراء وكثير النقع في صفحات أعـرق الجرائد والمجلات الثقافية والتاريخية . ألم يقل نجيب محفوظ 🙁 بدون أدب تبقى المعرفة ناقصة ويتيمة وضعيفة) ، ألم يقل د. الطيب بياض نفسه : (اللغة السلسة هي التي تجعل التاريخ محتضنا بيسر من طرف الصحافة وتحول قلم المؤرخ المتكلس ولغته الخشبية التي عادة ما تثير النفور وتجعل بضاعته كاسدة إلى انسيابية شلال دافق يغري بالإقبال عليه والنهل من معينه …).
بين ولع القراءة وشغف الإبداع والإعجاب بالمقروء وجدت نفسي بين أحضان “الصحافة والتاريخ” ؛ وهو عنوان كبير أثارتني فيه مجموعة من العناوين الصغيرة التي آثرت إعادة قراءتها بوازع قيمتها وأهميتها ، وبذريعة ما تخفيه من دلالات وأقنعة تجعل القارئ يحس أن كاتبها أحدث فعلا ثورة علمية في الكتابة التاريخية بطريقة علمية ومنفتحة على جميع العلوم ، ما جعلها مستساغة لدى القراء من تخصصات مختلفة .
في هذا السياق أسعد بلقائكم كل أحد في فسحة ثقافية من أجل قراءة وتأمل وتذوق ما ورد في عناوين الكتاب.
ومن هذه العناوين اخترت لكم في أول حلقة : الاحتباس الثقافي
يشير بياض الطيب إلى أن العمل الثقافي في زمن الاستعمار أثمر حمولة نضالية أزعجت المستعمر في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي ، ويتجلى ذلك من خلال إصدار جرائد ومجلات تنشر الوعي الوطني وتفضح الممارسات التعسفية للمستعمر مثل جريدة الحياة وجريدة عمل الشعب وجريدة السلام وجريدة المغرب الناطقة بالفرنسية ، كما ظهرت عدة فرق مسرحية وجمعيات ثقافية تعبر عن مواقف وطنية شجاعة ؛ ولا عجب في ذلك أن شكلت هذه الجرائد والمجلات مادة دسمة للحركة الوطنية التي اشتغلت بدورها في نضالها على مجموعة من الوسائل أهمها إنشاء مؤسسات حزبية هي: حزب كتلة العمل الوطني بالمنطقة السلطانية بقيادة علال الفاسي ومحمد بلحسن الوزاني ، وحزب الإصلاح الوطني وحزب الوحدة المغربية بالمنطقة الخليفية بزعامة عبد الخالق الطريس والمكي الناصري على التوالي) . وبين المنطقة السلطانية والمنطقة الخليفية ترعرع وتجذر الوعي الثقافي ، حيث نبغ العلامة عبد الله كنون في تأليف كتاب موسوم ب ” النبوغ المغربي في الأدب العربي” وبرع سعيد حجي في تأليف كتاب بعنوان ” شباب غفل”.
وبعد الاستقلال ظهرت جمعيات ثقافية نشيطة منها ” جمعية الأديب” التي اتخذت “مجلة رسالة الأديب” لسان حالها ، حيث أصبحت هذه الأخيرة حلقة وصل بين الشرق والغرب ومنبرا للمرأة والرجل على حد سواء ، لكن سرعان ما أفل نجمها بفعل الصراعات التي عاشها حزب الاستقلال والتي تمخضت سياسيا عن ولادة قيصرية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية من رحم حزب الاستقلال وعن تصدع نقابي سنة 1960م ، وثقافيا عن موت مفاجئ لمجلة “رسالة الأديب” في ماي 1959م.


من هذا المنطلق يرى الدكتور بياض أن السياسة كانت سببا في تشتيت النقابة وخنق الثقافة. ورغم هذا الخنق لاحت إلى الوجود في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي مجلات ثقافية مشاغبة تعبر عن وعي ديمقراطي حداثي مثل : أقلام ، أنفاس ، لاماليف ، لكن سرعان ما رجع العمل الجمعوي والثقافي الـقـهـقـرى مخلفا وراءه مسارح ودور شباب ودور سينما تندب حظها العاثر ، فساد على قول بياض التيه وغاب التثقيف والتهذيب فأطلت ثقافة العنف برأسها إما “تشرميلا” أو “تدعيشا”.
ألقاكم في حلقة قادمة مع عنوان جديد.
مودتي …

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى