أخبار جهوية

واحة تيوت بين الماضي والحاضر جوهرة سوسية.

علال بنور.
في رحلة استكشافية، انطلقنا من مدينة تارودانت عبر طريق أغرم/ طاطا الى واحة تيوت التي تبعد عن المدينة ب 30 كلمترا، اتجهنا يمينا في طريق وسط غابة اشجار اركان، يبدو انها لم تعرف التجديد، دخلنا الى مركز جماعة تيوت ومنه الى الواحة التي تتموقع كواجهة للسياحة الثقافية والايكولوجية، وهي تابعة إداريا لإقليم تارودانت بجهة سوس ماسة. التقينا صدفة بالسيد محمد أبو عنان يبلغ من العمر 72 سنة، كان يشتغل موجها سياحيا تابعا لنادي لبحر الأبيض المتوسط، رافقنا طيلة الرحلة بالواحة ففتح لنا ابوابا من الماضي التاريخي، اول سؤال تبادر الى ذهني طرحته عليه، ماذا تعني تيوت اصطلاحا؟ معناها حسب قوله حدبة الجمل باعتبار ان الواحة تحيط بها تلال من ثلاث جهات، ومنها جاء الاسم بالأمازيغية تيوت. كما استرسل لنا في الحديث، ان الواحة تحيط بها 7 دواوير، علما ان جماعة تيوت تضم عشرة دواوير ويسكنها 2920 نسمة حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014. كانت الواحة تمثل مركزا للسلطة المخزنية منذ العهد المرابطي والموحدي والسعدي، كما كانت تعتبر تاريخيا بابا من أبواب الصحراء. ومن المؤرخين من يعتبرون ان تيوت كانت مركزا للسلطة، وذكر المختار السوسي في احدى مؤلفاته، ان سكان تيوت وجدوا في أساس القصبة قطعة نقدية ذهبية باسم عبد المومن الموحدي، وفي السياق ذاته، أكد لنا مرافقنا ان الواحة كانت مقصدا للتجار من الصويرة ومراكش وفاس والنيجر، حيث كانت مشهورة بإنتاج وصناعة السكر والنسيج الصوفي، كما كانت مستقرا لليهود. وغالب الضن ان هذه الدول السالفة الذكر قد مرت من الواحة خاصة السعديين الذين استعملوها كمنتجع للراحة والاستقرار للأمراء، لذلك تحظى بقدسية، يرى فيها السكان ارثا للأجداد.
المعالم التاريخية والعلمية
وجود قصبة، كان اسمها قديما “اكاديرابلان” تعلو تلا يطل على المجال الواحي، كانت مستقرا للسلطة المخزنية، حسب مرافقنا بناها السعديون، تضم العديد من الغرف للسكن ومخزن وقاعة للحكم وسجن، غير ان جزءا منها رمم في السنوات الأخير فحول الى مقهى ومطعم عصري. كما يوجد في اول دوار صادفناه قريبا من القصبة مسجدا من بناء السعديين، وأفادنا مرافقنا ان المنطقة كانت مركز علم بوصولنا الى دوار أنامر ومشاهدة فرع الزاوية التجانية، خصص جناح منها لطلاب حفظ القران الكريم وبجانبها توجد مدرسة للتعليم العتيق تسمى ب ” الجشتمية”، كان لها دور كبير في تكوين عدد من علماء الدين السوسيين.
تعتبر منطقة تيوت، مركزا لعب دورا في السياسة والتجارة منذ العهد المرابطي والموحدي والسعدي، كما اعتبرت محطة للقوافل التجارية، كذلك عرفت تعايشا بين المغاربة المسلمين واليهود، ولا نعرف عددهم، كانوا يستقرون بالملاح، فارتكز نشاطهم على الحرف والتجارة، كما مارسوها في باقي مناطق المغرب. ومن المعالم التاريخية كذلك، قادنا مرافقنا من داخل الواحة الى المطاحن/الرحى التقليدية المتواجدة بقلب الواحة، كان عددها 10 مطاحن توقفت عن النشاط، ولم يبق منها سوى واحدة، ورثها السيد مولاي محمد حسنين يبلغ من العمر 86 سنة، رجلا لايزال نشيطا و بصحة جيدة تغلب عليه اللكنة الامازيغية، التقيناه في ملكيته ،رافقنا في زيارة المطحنة/الرحى تدعى باللغة الامازيغية “ازركان نوامان”، وهي منحوتة من الحجر الصلب تشتغل بالتيار المائي الممتد لها من الساقية بالإضافة الى ادوات تقليدية محلية تستعمل في طحن الحبوب والأعشاب الطبية. كما أفادنا السيد حسنين بطرق تثمين هذه المنتوجات الى خلطات طبيعية للاستعمال الغذائي والطبي. وأشار ان مردودية المطحنة تبقى ضعيفة حاليا لعدة أسباب، منها نقص في الطلب، لان السكان يفضلون المطاحن العصرية الموجودة في الدواوير، بالإضافة الى ضعف التيار المائي من حين الى اخر. ثم تابعنا الزيارة الى بنايات لمطعم وغرف للنوم وحديقة لاستراحة الزوار، الا ان هذه التوسعة تبقى غير مشغلة لعدم ترخيصها الإداري.
ومن المأثر التاريخية توجد صهاريج لجمع الماء لعملية السقي، فحدثنا مرافقنا ان الصهاريج بنيت سنة 1937 بالفأس واليد العاملة، وهي اليوم مهيأة بشكل عصري لتجميع مياه السقي. واثناء تواجدنا، وجدناها فارغة من الماء في إطار عملية التهيئة، وبقربها اشغال بناء مقر لإدارة جمعية مستعملي مياه السقي.
اما على مستوى التعليم، عرفت تيوت التعليم العتيق قديما، كان يفد عليها الطلبة من داخل الواحة ومن الدواوير المجاورة لها، تخرج من مدرستها العتيقة العديد من الأطر الدينية، أكد لنا مرافقنا، ان أبناء محمد الشيخ السعدي تلقنوا التعليم بالمدرسة العتيقة، ومن علمائها احمد الجشتمي دفين تيوت. وحاليا، تتكون قائمة المؤسسات التعليمية في تيوت من مدرسة ابتدائية واعدادية، كما توجد بقرب هذه الأخيرة دار للطالب والطالبة لإيواء التلاميذ.
المؤهلات الطبيعية والفلاحية:
تمتد تيوت على مساحة 1000 هكتار منها 450 هكتارا أراضي مسقية، تتوفر على ثروة مائية الاتية من العيون النابعة من الفرشة المائية المحلية ،تمتد الى الحقول عبر سواقي ، جزء منها مبني بالإسمنت، ويحيط بالواحة من ثلاث جهات تلال، مع وفرة العديد من أشجار النخيل واشجار الخروب والرمان، كما تنتج الاستغلاليات عشب الفصة لتسمين الماشية، مع أنواع من الحبوب والقطاني المعيشية، كذلك توجد تعاونية نسائية لتثمين الأركان الى منتوجات غذائية (زيت الأركان، املو…) وللتجميل (زيوت، كريمات، صابون…) ، من تمويل “البير” امير موناكو. كما تتوفر الواحة على تربية الماشية، في اغلبيتها الماعز والاغنام والقليل من الابقار، يشرف على توزيع الماء بين الفلاحين عبر السواقي جمعية مستعملي المياه، تسعى في تدبير عملية توزيع الماء بين الاستغلاليات التي تدعى بالتويزة، تتكلف هذه الجمعية بتدبير المصاريف (ثمن الكهرباء لدخ الماء، أجور المستخدمين…) وتحديد ثمن توزيع الماء للاستغلاليات حيث يصل الى 65 درهما /الساعة.
السكان والأنشطة الاقتصادية والسياحية:
صرح لنا مرافقنا ان عدد الدواوير 7 تحيط بالواحة وهي: القصبة؛ أزور؛ أنامر؛ إكودين؛ تاكاديرت ندوج؛ تكاديرت ن دوؤسار وتاغنبوشت. يقدر عدد سكان الواحة ب 3000 نسمة، وبالرغم من أهمية الواحة ثقافيا وايكولوجيا لم يكلف المسؤولون على الشأن المحلي أنفسهم عناء، لتعليق عدد كبير من اللوحات لتحديد الاتجاه اليها.
ومن الأنشطة الاقتصادية، يعتمد السكان على الفلاحة، أهمها الحبوب والقطاني والخضراوات وتربية الماعز والاغنام وقليل من الابقار. إضافة الى ذلك مغروسات أشجار النخيل والرمان وشجرة الخروب، هذه الأخيرة ازدادت مساحتها نظرا لأهميتها كزراعة ذات مردودية مرتفعة، مع ارتفاع ثمن المنتوج وتوفر التسويق مع شركة بالدار البيضاء، تقوم بتحويل المنتوج الى منتوجات طبية تصدر الى الخارج.
أشار علينا مرافقنا السيد محمد أبو عنان، ان الواحة تستقبل السياح المغاربة والأجانب من المانيا وفرنسا. كما أكد لنا، ان بعض سكان الواحة يعتمدون في جزء من معيشتهم على ما يذره السياح خاصة الأجانب، ومع تجوالنا صادفنا العديد من الحمير مجهزة للركوب لنقل السياح في جولات عبر الواحة، وبعض مرتفعاتها والتجوال عبر البساتين والسواقي، فأكد لنا مرافقنا، ان تشغيل الحمير للسياح يتم عموما من طرف الأطفال والنساء لتحسين مستوى العيش، الا ان هذه الظاهرة قد تساهم في عزوف بعض الأطفال عن التمدرس. كما شكلت الواحة بسحر طبيعتها اغراء للمخرجين السينمائيين، حيث سجلت مشاهد من فيلم علي بابا سنة 1953، ومن اغراءات السياح إضافة الى الأيام الشميسة الطويلة والطقس الحار في الصيف، مع جود أشجار النخيل والرمان والخروب، زاد سحرا للواحة.
فاثنا تواجدنا بوسط الواحة، وجدنا عمالا تابعين للجماعة يقومون بتجذيب سعف النخيل، واخرون تابعين لشركة، يقومون بترصيص الممرات الخاصة بالمرور بين البساتين داخل الواحة، بصفائح صخور “الاردواز” «roche d’ardoise» يثبتونها في أرضية معبدة لذلك.
عموما يمكن القول، ان واحة تيوت، مجال ساحر بمعالمه التاريخية وطقسه الجميل وطبيعته الجغرافية، المغرية لكل زائر يتمنى زيارتها مرات، وسكانها الطيبون، يستقبلك صاحب مقهى تقليدي من داخل الواحة بترحاب وكرم ويتمنى من الزوار الحفاظ على نظافة الواحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى