أخبار وطنية ودولية

ألبانيا: من احتجاج بيئي إلى أزمة سياسية مفتوحة!

بقلم : حمزة تكويت

تيرانا – تحولت الاحتجاجات التي انطلقت رفضًا لمشروع سياحي فاخر على الساحل الألباني إلى حركة احتجاجية أوسع، رفعت مطالب تتعلق بمكافحة الفساد وتحسين التعليم وتوفير فرص العمل، ووضعت حكومة رئيس الوزراء إيدي راما أمام اختبار سياسي جديد، في ظل تصاعد المواجهات واتساع رقعة المظاهرات.

من الساحل إلى الشارع

بدأت الاحتجاجات في 31 مايو 2026، على خلفية الاعتراض على مشروع سياحي ضخم يُخطط لإقامته في مناطق ساحلية ذات أهمية بيئية. ومع مرور الوقت، تجاوزت المطالب البعد البيئي لتشمل قضايا سياسية واجتماعية، من بينها الشفافية في تدبير الاستثمارات العامة، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات التعليمية، وتعزيز فرص التشغيل.

وشهدت الحركة الاحتجاجية تصعيدًا ملحوظًا ابتداءً من 13 أكتوبر، مع انضمام أعداد كبيرة من الطلاب إلى المظاهرات ، وفي اليوم التالي، اندلعت مواجهات في العاصمة تيرانا، وأُضرمت النيران في مبنى تابع لوزارة التعليم وفرع مصرفي، كما تعرضت واجهات عدد من المحال التجارية للتخريب.
واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المحتجين.

وامتدت الاحتجاجات لاحقًا إلى مدن ألبانية أخرى، وسط مطالب باستقالة راما ومحاسبة المسؤولين المتهمين بالفساد. وفي المقابل، رفض رئيس الوزراء التنحي، مؤكدًا ضرورة احترام القانون، ومحذرًا من أن العنف قد يزيد من تعقيد التحديات التي تواجهها البلاد، بما فيها مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

مشروع كوشنر في قلب الجدل

يُعد المشروع السياحي المرتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أحد أبرز الملفات التي غذّت الاحتجاجات. ويتضمن المشروع خططًا لتطوير جزيرة سازان وإقامة منشآت سياحية في منطقة نارتا الساحلية، بالقرب من مناطق طبيعية محمية تضم موائل لطيور النحام وأنواع أخرى من الكائنات البرية والبحرية.

وتثير هذه الخطط مخاوف لدى ناشطين بيئيين بشأن انعكاساتها المحتملة على التنوع البيولوجي، فضلًا عن تساؤلات تتعلق بشفافية الإجراءات والقرارات الاستثمارية. وقدرت تقارير صحفية قيمة المشروع الأوسع بنحو خمسة مليارات يورو، فيما أشارت تقارير أخرى إلى تقديرات مختلفة، ما يستدعي التمييز بين مكونات المشروع وقيمته الإجمالية.

في المقابل، تدافع الحكومة عن الاستثمار باعتباره فرصة لتعزيز السياحة وجذب رؤوس الأموال الأجنبية وخلق فرص عمل. غير أن الجدل لم يعد مقتصرًا على الجدوى الاقتصادية للمشروع، بل امتد إلى مدى احترام المعايير البيئية وضمان الشفافية في تدبير الاستثمارات.

قضية بالوكو تزيد الضغوط

تتزامن هذه التطورات مع مستجدات قضائية في ملف بيليندا بالوكو، نائبة رئيس الوزراء ووزيرة البنية التحتية السابقة، التي تواجه اتهامات تتعلق بالتدخل في منح عقدين للأشغال العامة سنة 2021، تتجاوز قيمتهما الإجمالية 200 مليون يورو.

وفي 20 أكتوبر 2026، أفادت تقارير صحفية بأن الادعاء العام الألباني استكمل توجيه اتهامات رسمية إليها، تشمل شبهات تتعلق بالفساد والإخلال بقواعد المنافسة في الصفقات العامة وغسل عائدات أنشطة إجرامية. وتنفي بالوكو ارتكاب مخالفات، فيما يظل الفصل في هذه الاتهامات من اختصاص القضاء.

وقد ساهمت القضية، إلى جانب ملفات أخرى مرتبطة بالفساد، في تعميق حالة انعدام الثقة لدى قطاعات من الشارع الألباني، كما أصبحت من بين العوامل التي تغذي المطالب بمحاسبة المسؤولين وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية.

أزمة تتجاوز حدود الاحتجاج

تعكس التطورات المتسارعة في ألبانيا تداخلًا بين المطالب البيئية والاجتماعية والسياسية، في ظل تزايد استياء فئات من الشباب من أوضاع التعليم ومحدودية فرص العمل، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالفساد وشفافية القرارات الحكومية.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أهمية الاستثمارات الأجنبية في دعم الاقتصاد وتوفير فرص الشغل، يشدد المحتجون على ضرورة ربط التنمية باحترام البيئة والمساءلة والعدالة الاجتماعية.

وبين تمسك الحكومة بمواصلة برامجها الاقتصادية ورفض المحتجين الاكتفاء بالوعود، تواجه ألبانيا مرحلة دقيقة تتطلب معالجة أسباب الاحتقان وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين
ويبقى التحدي الأساسي أمام الحكومة هو إيجاد توازن بين تشجيع الاستثمار وحماية الموارد الطبيعية والاستجابة للمطالب الاجتماعية، بما يحد من التصعيد ويحافظ على استقرار البلاد ومسارها الأوروبي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى